تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم أصول الفقه في ثوبه الجديد — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
ولكن على الرغم من بقاء العام على ظهوره فإن الترجيح للخاص ، والعمل به حتم ، ما في ذلك ريب . وإليك الحجة بإيجاز : من الأوليات والمسلّمات أن السبب الأساسي للأخذ بظاهر الكلام هو أن هذا الظاهر يعكس مراد المتكلم ويكشف عنه ، ومعنى هذا ان الكلام إذا لم يكن له ظهور أو كان له ظهور غير كاشف عن مراد المتكلم - يسقط عن الحجة والاعتبار . والعام المخصص بمنفصل له ظهور في جميع أفراده ، كما أشرنا ، ولكن هذا الظهور لا يعكس مراد المتكلم ولا يكشف عنه ، لأن الخاص قد كشف عنه وحدده بقسم خاص من العام ، وعليه يسقط ظهور العام بالنسبة لهذا القسم لأن ما ساغ لسبب يبطل بزوال هذا السبب وارتفاعه . وبكلمة إن ظهور العام يوجب العمل به عند الشك والجهل بمراد المتكلم ، ولا وسيلة إلى العلم به إلا هذا الظهور ، أما مع علمنا بالمراد فنعتمد عليه وحده ، وما عدا العلم فهو وهم وسراب . وأي عاقل يقدم الدليل الظني على القطعي ، والظاهر على الأظهر ؟ وليس من شك ان ظهور الخاص أقوى من ظهور العام في الكشف عن مراد المتكلم وتحديده .

العام بعد التخصيص

ليس من شك ان العام إذا بقي على عمومه واستعمل في جميع أفراده بلا تخصيص - يكون هذا الاستعمال على سبيل الحقيقة ، وإذا استعمل العام في واحد من أفراد فهو على المجاز نحو : رأيت اليوم بني فلان ، وأنت تريد سيدهم أو فارسهم . وإذا خصصت العام فهو حقيقة في الداخل من أفراده والخارج منها على السواء ، لأن كلا منهما في جملة ما دل عليه العام ، والذي أخرجه الخاص إنما خرج عن العام حكما لا موضوعا ، وما بقي تحته فهو داخل فيه موضوعا وحكما - مثلا - ان امرأة لوط هي من أهله حقيقة وواقعا ، ولكن لا يشملها الوعد بالنجاة في قوله تعالى :
« إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ
- 33 العنكبوت » . وإذا كان العام حقيقة في الباقي فهو أيضا حجة فيه لا محالة ، ومعنى هذه الحجة ان حكم العام ثابت لكل فرد منه لا يتناوله الخاص بالتخصيص ، فقول القائل : أكرم العلماء إلا فسّاقهم معناه أكرم عدول العلماء ولا تكرم الفساق منهم ، ولو قلنا بأن العام ليس حجة في الباقي لكان المعنى لا تكرم عدول العلماء ولا فساقهم ،