ثم إن كان المراد من الوجوب القصد الملزوم للعقاب المستقل زاد خلاف أصل آخر وان أريد مع ذلك تعدد العقاب زاد خلاف أصل ثالث وامّا إذا أريد مطلق اللزوم العقلي فكذلك إذ الأصل عدم اللّزوم لكن الاجماع انعقد على وجود اللّزوم بالمعنى الاعمّ فلا يمكن انكاره وإن كان خلاف الأصل وامّا إذا قلنا بان الامر بالمسبّب عين الامر بالسّبب فهو خلاف الأصل أيضا لانّه خلاف الظاهر إذ الظاهر من الامر بالمسبّب وجوب نفس السّبب
إذا عرفت تلك المقدمات فالحق عندنا هو الوجوب
بالمعنى الذي ذكره السّبزواري بمعنى انّ المأمور إذا ترك المقدمة استحق العقاب على ترك ذي المقدمة حكما فإنه وان لم يصل زمان ذي المقدمة لكن ترك المقدمة المفضى إلى ترك ذيها ترك لذي المقدمة حكما يستحق العقاب عند الترك الحكمي ولا مانع أيضا من تعدد العقاب على ترك مقدمة الواجب الواحد فكما قدر المكلّف على اتيان المقدمة قبل وصول زمان ذي المقدمة فترك المقدمة قاطعا أو ظانّا بان تركها يفضى إلى ترك ذي المقدمة فلا يقدر عليه بعد ذلك يستحق العقاب المعنى الذي ذكره السبزواري فلا تقدم استحقاق العقاب وصيرورة العادل فاسقا حين ترك المقدمة خلاف الأصل ولو أريد مع ذلك القصد من الامر بذى المقدمة على الامر بالمقدمة زاد خلاف الأصل آخر واما إذا أريد بل لو اتى بالواجب بعد ترك المقدمة مع اعتقاده عدم القدرة ثانيا فاتفق له كذلك ثلاثون مرّة فإنه في كلّ واحد من تروك المقدمة مع اعتقاده عدم القدرة بعد ذلك يستحق العقاب بل لو اتى بالواجب على ترك ذي المقدمة حكما لكان آثما ومستحقّا للعقاب عند ترك المقدمة المفضى باعتقاده إلى ترك ذي المقدمة فلو ترك مقدمة عشر مرّات بعد حصول القدرة مفاجأة لاعتقاده في كلّ مرّة عدم القدرة بعد ذلك ثم اتى بعد ذلك الترك بالواجب لمفاجاة القدرة استحق العقاب عشر مرّات
والحاصل ان كلّ ترك حكمي له عقاب واحد
بل نحن نقول باستحقاق العقاب عند ترك المقدمة وان لم يكن الترك مع اعتقاد عدم القدرة بل مع الشكّ فيها بل مع الظنّ الغير المعتبر كالرّمل ففي الدرهم المحرم المشتبه بين عشرة دراهم محلّلة لو ترك الامتثال بترك التصرف في الحرام المعلوم اجمالا ولو تركا حكما استحقّ العقاب فمع الاشتباه يكون تصرفه في درهم واحد آثما وان لم يكن ذلك هو الدّرهم المحرم في الواقع لأنه لما لم يعلم الحلال من الحرام اللازم اجتنابه كان اللازم عليه ترك الكل من باب المقدمة فيصرفه في واحد منها مع احتمال يكون ذلك هو الدرهم الحرام ترك للمأمور به حكما فيستحقّ العقاب حتّى انه لو تصرف في تلك الدّراهم تدريجات بتصرفات متدرجة متعدّدة عرفا كان عليه في كلّ تصرف عقاب ولو تصرّف في الكل مرة واحدة ودفعة كان عليه عقاب واحد إذ التصرف والترك واحد وهكذا ولو اتلف الكلّ بتصرّفين كان عليه عقابان فيدور تعدد العقاب على الواجب مدار تعدد الترك الحكميّة
وقولنا بوجوب المقدمة
لهذا المعنى مط من حيث التفاصيل المتقدمة في ذيل ذكر الأقوال ثم النسبة بين ترك الحقيقي والحكمي عموم من وجه يتصادقان فيما لو امر بالحجّ مثلا واقتدر على الخروج مع القافلة فلم يخرج معهم معتقدا بعدم تمكّنه من الخروج بعد ذلك ثم فاجأه القدرة على الحجّ كان اخذه اخذ أو قهرا وادخله إلى الميقات في الموسم فترك الحجّ أيضا باختياره ويصدق الترك الحكمي لا الحقيقي في هذا المثال إذا اتى بالحجّ بعد مفاجأة القدرة والحقيقي دون الحكمي في مثال الحج أيضا إذا خرج مع القافلة وبعد الوصول إلى محل عمل الحج تركه عمدا اختيار إذا ظهر ذلك فههنا مقامات
امّا الاوّل فاعلم أن الدليل على ما اخترناه بناء العقلاء
فلو امر عبده باحضار الماء لافطار مولاه من صومه وكان محلّ الماء بعيد الا يمكنه الخروج اليه الا مع جماعة لمكان الخوف فخرج الجماعة إلى الماء ولم يخرج معهم معتقدا بأنه لا يمكنه الخروج اليه بعد تلك الجماعة المستعدّين فاطلع عليه المولى قبل دخول وقت الافطار لعاقبه وعاتبه بمجرّد الاطلاع وان لم يدخل وقت الافطار ثم بعد عقاب المولى لو اتفق في هذا اليوم خروج جماعة أخرى إلى الماء وأمكنه الجرح ومعهم إلى الماء فلم يخرج أيضا معتقدا بعدم التمكن على الخروج بعد تلك الجماعة إلى دخول اللّيل لعاقبه المولى وعاتبه وهكذا إلى خمسين مرة وان لم يدخل وقت الافطار عند شيء من تلك المقدمات « 1 » مضافا إلى أن ترك المقدّمة المفضى تركها إلى ترك ذي المقدّمة اما ان يكون حين مجيء زمان ذي المقدمة مخاطبا على اتيان ذي المقدمة أم لا
امّا الاوّل فقد مرّ بطلانه بما قلنا من أن الامتناع بالاختيار
ح ينافي الاختيار خطابا
وامّا على الثّانى فامّا ان لا يترتب الأثر اعني استحقاق العقاب على ترك ذي المقدّمة أم لا
وعلى الاوّل يلزم خروج الواجب عن الوجوب
وعلى الثاني امّا ان يكون ترتب الأثر وقت ترك المقدمة أم لا بان يكون قبله أم حين ترك ذي المقدمة أم بعده أم يترتب بين ترك المقدّمة إلى زمان ترك ذي المقدمة فإن كان الاوّل فالمط ثابت وان كان غيره فهو بط لان ترتّب الأثر على المكلّف امّا ان يكون لأجل مخالفة امر الشارع أم ليس لأجل المخالفة والأخير بط إذ لا استحقاق للعقاب الّا مع المخالفة
وامّا الاوّل فامّا ان يكون ذلك الامر الّذى لأجل تركه ترتب الأثر وجاء العقاب
هو الامر بذى المقدمة حين مجيء زمانه وامّا ان يكون الامر السّابق الذي كان على ذي المقدمة قبل سلب الاختيار وفوته المكلف فإن كان الأول فقد عرفت بطلان تعلق الخطاب والامر عند سلب الاختيار وإن كان الثاني اعني ترتّب الأثر على ترك الامر السّابق المتعلّق بذى المقدمة التي حصل مخالفته عند ترك المقدمة وذهب بعد تفويت القدرة فلا بد ان يكون استحقاق العقاب المترتّب على ترك الامر المذكور ومخالفته عند المخالفة الذي حصل في وقت ترك المقدمة حذرا من تخلف المعلول عن العلة التامة وهي المخالفة فلا بدّ ان يستحق العقاب بمجرّد وجود علته اى المخالفة الحاصلة عند ترك المقدمة لا بعده بان يكون الاستحقاق عند مجيء زمان ذي المقدمة أو بعده أو بين زمان ذي المقدمة والمقدمة وامّا وجود لا قبل ترك المقدمة فغير معلوم لعدم حصول المخالفة ح فانحصر الاستحقاق في زمان ترك المخالفة الامر الموجود ح فان قلت لعل لانقضاء زمان الفاصل بين المقدمة وذيها [ المقدمة ] مدخلية في تمامية عليّة مخالفة الامر السّابق ويكون هو جزء أخير للعلة التامّة فحصل الاستحقاق عند مجيء زمان ذي المقدمة قلنا امّا ان يكون في ذلك الزمان الفاصل بقاء الامر السّابق مقطوعا أو مشكوكا أو مقطوع العدم والآن باطلان لما مر من انّه لا يبقى خطاب بعد سلب القدرة وعلى الأخير لا معنى لهذا الاحتمال إذ هذا الاحتمال انما يصحّ إذا احتمل بقاء الامر السّابق وكونه مكيّفا بكيفية لا يحصل المخالفة الّا عند تركه مع تلك الكيفيّة كانقضاء الزمان ونحوه ونحن قاطعون بحصول المخالفة في زمان الفاصل تماما لما
هامش
( 1 ) العقابات