تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ضوابط الأصول — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
قوله تعالى
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
فنقول ان التحرز من الضّرر الأخروي المشكوك أو الموهوم القاء النفس إلى التّهلكة بيده وكلّما كان كذلك فهو حرام فهذا حرام فان قلت إن تلك الآية الشريفة معارضة مع الادلّة الدّالة على ثبوت التكليف باطلاقها حتى عند الاقتضاء إلى التّهلكة وتلك الآية انّما تدل على حرمة الالقاء إلى التّهلكة حتّى عند ثبوت التكليف فما وجه الترجيح بعد كون النّسبة عموما من وجه قلنا قد اشتبه عليك الامر فان المفروض ان الصّغرى محلّ الشك نعم لو كان التكليف ثابتا ولو ظنّا لكان ما ذكرت وارد أو ليس فليس فان قلت إنه كما يدلّ الآية على حرمة ارتكاب الضرر الدنيوي لكونه داخلا في الصّغرى كذلك تدلّ على حرمة عدم التّحرز عن الضرر الأخروي أيضا فكما تقول في الضرر الدنيوي هذا ممّا يكون مرتكبه ملقيا نفسه إلى التهلكة وكلّما كان كذلك فهو حرام كذلك تقول في الضرر الأخروي هذا ممّا يكون تاركه ملقيا إلى التّهلكة بيده وكلّما كان كذلك فهو حرام فهذا حرام فما وجه الترجيح قلنا اوّلا ان المتبادر من التّهلكة انما يكون هي التّهلكة الدنيويّة قد يقال فيه نظر لأنا بعد ان سلّمنا ان المتبادر من التهلكة الدنيويّة لا الاعمّ ثبت منه المط بوجه آخر وهو انّه بعد ما أثبتنا ان الالقاء إلى التّهلكة الدنيوي حرام فالاخروى بطريق أولى وفيه تأمل وثانيا ان دلالة هذا الدليل على مطلب الخصم موقوفة على دلالة الادلّة اللّفظية على اثبات الصّغرى والمفروض خلافه فان المفروض ان الصغرى محل الشكّ فان قلت إن ما ذكرت من رجوع المسألة إلى الشك في التكليف انّما يكون مسلّما إذا كان في الواجبات الأصلية وامّا التوصّلية فلا لوقوع الشك فيها في المكلف به ألا ترى ان الجنب حين حضور الوقت وحصول القطع بالتّهلكة لو اغتسل لشدة البرد أو لغيره امّا ان يكون تكليفه ح وجوب الغسل وحرمة التيمّم أو العكس لا الوجوب الصرف أو الحرام الصرف حتى يرجع المسألة إلى الشكّ في التكليف بل الشك في المكلّف به والقوة العاقلة حاكمة بلزوم اتيان كليهما لتحصيل القطع بالامتثال بعد القطع بالاشتغال بل رجوع المسألة في الواجبات الاصليّة إلى الشك في التكليف أيضا مم لان صوم الرمضان للقاطع بالتّهلكة أو الظان بها اما حرام أو واجب فاذن يكون الشك في المكلف به أيضا لا في التكليف حتى يرجع إلى اصالة البراءة فما وجه ترجيح الوجوب على الحرمة مع تساوى الاحتمالين قلنا الحق ان الشك انما هو في المكلّف به لكن الامر دائر بين ان يرتكب المكلّف ما هو مشكوك الضرر في العقبى وما هو مقطوع الضرر في الدنيا ومشكوك الضرر في العقبى ولا ريب ان القوّة العاقلة حاكمة بان المتحرّز عن الأخير وارتكاب الاوّل أولى وعليه بناء العقلاء ألا ترى انه لو دار الامر بين قطع طريق يحتمل صيرورته فيه مقتولا وأخر يحتمل أيضا صيرورته فيه مقتولا مع كونه قاطعا بقطع يده في الأخير لاختار الاوّل بحيث لو اختار الشخص الأخير لعدّ سفيها وفيما نحن فيه الامر من هذا الباب فيحتمل وجوب الصّوم وحرمته مع القطع بالهلاكة في الصوم فبعد تعارض احتمال الوجوب والحرمة يبقى القطع بالضرر الدنيوي سليما عن المعارض الثاني من الوجوه الدالّة على صرف الادلّة الظنّية عن ظواهرها انّها معارضة بالآيات الكثيرة الدالّة على نفى العسر والحرج كقوله تعالى
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
والنّسبة بين المتعارضين عموم من وجه ففي صورة الاجماع يحصل التعارض ويقطع المتساقط فيصير الشكّ في التكليف فأرتّب القياس السّابق من أن هذا ممّا يكون الشكّ فيه شكا في التكليف وكلّما كان كذلك فالأصل البراءة عنه ويحصل من نتيجة هذا القياس صغرى قياس آخر وهي ان هذا ممّا يكون مضرا على العبد من غير وجه فيضم اليه الكبرى القطعيّة التي أثبتناها بالكتاب والاجماع والعقل فيتم المط الثالث انها معارضة بالاخبار النّافية للعسر والحرج منها بعثت على الملة السّمحة السّهلة والتعارض أيضا عموم من وجه فيحصل في صورة الاجماع التعارض والتساقط والشك في التكليف ويربط القياس بمثل ما مر الرابع انّها معارضة مع قوله تعالى
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
والتعارض أيضا عموم من وجه فيستدل بمثل ما مر وبالجملة ظهر من تظافر ما ذكر ان صوم رمضان ان لم يقطع بالهلاكة حرام قطعا وكذا غسل الجنابة وان شرب الخمر مع القطع بالهلاكة عند الترك واجب قطعا وأمثال ذلك ممّا لا يخفى ما عدا الوطي ثم إن التمسك بقوله لا شفاء في الحرام في هذا المقام نظرا إلى أن هذا حرام وكل حرام لا شفاء فيه نظرا إلى أن الصغرى والكبرى كليهما ممنوعتان اما الصغرى فلان كون الخمر عند استلزام ترك شربه للتهلكة حراما أول الدعوى فان قلت إن المراد من الحرام في الرّواية ما يكون حراما بالذات وبالنّوع لا بالفعل قلنا إن الحرام من المشتقات ولا شك ان المتبادر منها عند الاطلاق لا يكون الّا الاتصاف بالمبدأ بالفعل وامّا الكبرى فلان ما يكون حراما لا شفاء فيه اوّل الدعوى فان تمسّكت بالرّواية ففيه ان الرواية بظاهرها مخالفة للواقع بالبداهة لأنا نرى بالحسن والعيان الشفاء في الحرام فإذا لم يكن ظاهرها مرادا فيكون المراد مشتبها فيصير الرواية مجملة فان قلت إن من المبرهن في محله انه لو كان جملة خبريّة يكون ظاهرها كذبا لا بدّ من حملها على الإنشاء واذن يكون الرواية مثبتة لمطلوبنا فكأنه قال لا يجوز الاستشفاء بالحرام أو لا تستشف بالحرام قلنا لا ريب في ان تأويل الخبر إلى الإنشاء مجاز قطعا والمجاز لا يكون منحصرا به فيه بل يحتمل ان يكون المراد نفى الشفاء من الحرام المعهود لا من جنس الحرام ويحتمل ان يكون المراد نفى الشفاء الباطني ويحتمل ان يكون المراد الإنشاء وليس أحد تلك الاحتمالات أولى من الآخر فيكون الرّواية مجملة والملخص ان اثبات الكبرى التي هي من أعظم الكبريات في اثبات الاحكام نفعا بهذه الرواية التي لا يكون سندها معلوما ولا دلالتها معلومة مما لا وجه له هذا حال الواجبات والمحرمات الاكلية والشربية وامّا الفروج ففيها اشكال لكن الحق ان ذلك مجرّد الفرض اى انحصار المضر في الوطي مع المحارم والأجنبية أو الاحتياج إلى الوطي لدفع الشهوة وهو ممكن بالاستمناء وغيره وبالجملة لو تحقق مثل هذا الفرض لقلنا ان الموطوءة التي انحصر الامر في وطئها امّا من الانساب أو الأجانب امّا الاوّل فلا شبهة في لزوم ترك وطئها وان افضى إلى الهلاك للمنافرة في الغاية بحيث يستبعد العقل غاية الاستبعاد تجويز