بطريقة العقلاء ولعله الظاهر من الاستدلال لكن يظهر ضعفه بما ذكرناه وأيضا الاستدلال بالوجه المذكور لا يتم بدون ضم مقدّمات الانسداد وبعد ضم تلك المقدمات لا حاجة إلى مثل الوجه المذكور وأيضا الظاهر بل بلا اشكال ان الأقرب من باب الافعل دليل الوصفي لوضوح عدم اتصاف الموهوم بالقرب كيف لا واتصاف الضدين بالقرب إلى الواقع غير معقول فمرجع التمسّك بحكم العقل إلى دعوى استقلال العقل بلزوم العمل بما يقرّب إلى الواقع وهو محل المنع نعم الأولوية لا كلام فيها لكنها لا تنفع في المقصود وامّا طريقة العقلاء فإن كان المقصود من باب التمسك بها هو التمسّك بالعقل فينقدح القدح فيه بما سمعت آنفا وان كان المقصود التمسك بالتقرير غير متعارف فيظهر الكلام فيه بما تقدم وأيضا ينتقض الاستدلال بأمثال القياس واستدل أيضا بالنّبوى المعروف المرء متعبّد بظنه وبان في الاخذ بالظن في الشرعيات سلوك جادّة الاحتياط كالعبد يتحرى بعينه مولاه فيندرج تحت ما جاء في التحريص على الاحتياط وبانّ سيرة الشّارع مستمرة على التّعويل عليه فلو لا انه حجة في نظر الشارع ما بنى قواعد شرعية عليه حتى اكتفى بوضع اليد على المال وقضى بشاهدين واخذ بظاهر الحال إلى غير ذلك ممّا لا يحصى وبالجملة فنظام الدين والدّنيا انّما استقام بالتّعويل على الظنّ وبانّ طريقة العلماء في استنباط الاحكام انما هي الاخذ بالظن وبانّه يقبح على الحكيم ان يكلّفنا تكاليف جمّة ثم لا يجعل لنا إليها طريقا وبان في الاعراض تعويلا على الوهم وكيف لا يكون الظنّ أصلا في نظر الحكيم واهلا لان يؤخذ به وهو يعلم أن من لا يعوّل عليه فإنما يعوّل عليه وفي الكل نظر واستدل للقول بحجية مطلق الظنّ بالطريق بوجهين الأول انه لا ريب في كوننا مكلّفين بالأحكام الشرعية ولم يسقط عنّا التكليف بها في الجملة وان الواجب علينا أولا تحصيل العلم بتفريغ الذمة في حكم المكلف بان يقطع معه بحكمه بتفريغ ذمّتنا عما كلفنا به وسقوط التكليف عنا سواء حصل العلم بأداء الواقع أو لا فإنه القدر الذي يحكم العقل بوجوبه ودلّت الادلّة على اعتباره ولو حصل العلم بها على الوجه المذكور لم يحكم العقل بوجوب تحصيل العلم بما في الواقع ولم يقض شيء من الادلّة الشرعية بوجوب تحصيل شيء آخر وراء ذلك بل الادلّة الشرعية على خلاف ذلك إذ لم يبن الشريعة من اوّل الامر على وجوب تحصيل كلّ من الأحكام الواقعية على لسبيل القطع واليقين قائمة ولم يقع التكليف به حين انفتاح سبيل العلم بالواقع وفي ملاحظة طريقة السلف من زمن النبىّ صلّى اللّه عليه وآله والائمّة عليهم السلم كفاية في ذلك إذ لم يوجب النبىّ صلّى اللّه عليه وآله على جميع من في بلده من الرّجال والنسوان السّماع منه في تبليغ الأحكام أو حصول التواتر لآحادهم بالنّسبة إلى آحاد الاحكام أو قيام القرينة القاطعة على عدم تعمد الكذب أو الغلط في الفهم أو في سماع اللّفظ بل لو سمعوه من الثقة اكتفوا به ولا يحصل العلم بقول الثقة فالعلم الذي هو مناط التكليف أولا هو العلم بالأحكام الشرعية من الوجه المقرر لمعرفتها والوصول إليها والواجب بالنّسبة إلى العمل هو أدائه على وجه يقطع معه بتفريغ الذمة في الشرع سواء حصل العلم بأدائه على طبق الواقع أو على طبق الطريق المقرر من الشارع وان لم يعلم ولم يظنّ بمطابقته للواقع وبعبارة أخرى لا بد من معرفة المكلف أداء المكلف به على وجه اليقين أو على وجه منته على اليقين من غير فرق بين الوجهين ولا ترتيب بينهما ولو لم يظهر طريق مقرر من الشارع لمعرفتها تعين الاخذ بالعلم بالواقع على حسب امكانه إذ هو طريق إلى الواقع بحكم العقل من غير توقف لإيصاله إلى الواقع إلى بيان الشرع بخلاف غيره من الطرق المقرّرة وح فنقول ان صحّ لنا تحصيل العلم بتفريغ الذمة في حكم الشارع فلا اشكال في وجوبه وحصول البراءة وان انسد علينا سبيل العلم كان الواجب علينا تحصيل الظنّ بالبراءة في حكمه إذ هو الأقرب إلى العلم به فتعيّن الاخذ به عند التنزل من العلم في حكم العقل بعد انسداد سبيل العلم والقطع ببقاء التكليف دون ما يحصل معه الظنّ بأداء الواقع كما يدّعيه القائل باصالة حجيّة الظنّ وبينهما بون بعيد إذ المعتبر في الوجه الأول هو الاخذ بما يظن كونه حجة لقيام دليل ظني على حجية سواء حصل منه
الظنّ بأداء الواقع أو لا وفي الثاني لا يلزم حصول الظنّ بالبراءة في حكم الشّارع إذ لا يستلزم مجرّد الظنّ بالواقع الظنّ باكتفاء المكلف بذلك الظنّ في العمل سيّما بعد النهى عن اتباع الظنّ فإذا تعين تحصيل ذلك بمقتضى العقل يلزم اعتبار امر آخر يظن معه رضا المكلف بالعمل به
و
رسالة في حجية الظن — صفحة 234
مساهمون: محمد بن محمد ابراهيم الكلباسي
ص٢٣٤