العصمة حيث إنه لو كان الطريقة المشار إليها غير مرضية للزم الردع حتى لا يطرد الطّريقة في باب الأحكام الشرعية فهذا من باب التقرير بتقرير غير متعارف وقد تقدم الكلام في نظيره لكن نقول إن الاحتمال المذكور غير مقصود والغرض حكم العقل بقبح ترجيح المرجوح على الراجح ولو لم يتفطن أحد بقبحه نظير الحال في التمسك بحكم العقل بالحسن أو القبح في سائر الموارد مع أن في اطمينان النفس بمثله الاشكال كما تقدم وقد تحرر بما تقدم ان قبح ترجيح المرجوح على الراجح امّا لقبح التجرى على المعصية أو لقبح تجويز العمل بالموهوم من الشارع أو للزوم مخالفة الغرض أو لكون العمل بالمرجوح خلاف طريقة العقلاء في أمورهم العرفيّة وأيضا ربما حكم في النهاية والمنية باستحالة ترجيح المرجوح على الراجح وليس بشيء وان قلت إنه لو استحال الترجيح بلا مرجح فترجيح المرجوح على الراجح أولى بالاستحالة قلت إن المدار في الترجيح بلا مرجح على الخلو عن الداعي والمرجوح لا باس بابتنائه على الداعي وان قلت إن المرجوح لو صار مبنيّا على الداعي يصير راجحا قلت إن المقصود بالمرجح في الترجيح بلا مرجح هو الداعي لا ما يوجب حدوث الرجحان في الشيء والمقصود بالمرجوح كما مرّ هو الموهوم عقلا أو شرعا أو عرفا والموهون بأحد الوجوه لا يصير راجحا بواسطة وجود الداعي مع أن مقتضى كلماتهم في باب الترجيح بلا مرجح ان وجود الداعي يوجب الرجحان في باب المتساويين ويخرج الامر عن الترجيح بلا مرجح حيث إن الكلام في باب الترجيح بلا مرجح في صورة خلو المتساويين عن الداعي إلى أحدهما فالمرجوح لو كان وجود الداعي موجبا لرجحانه كما هو مقتضى ما ذكرت فقد الداعي موجبا لمساواة المرجوح مع الراجح فلا يلزم ان يصير المرجوح بواسطة وجود الداعي راجحا كما ذكرت على أن المدار يكون في الترجيح بلا مرجح على الخلو عن الداعي والخلو عن الداعي لا يقبل التفاضل فليس سوء حال المرجوح من جهة الخلو عن الداعي فاحتفاف المرجوح بالداعي لا يوجب قلب المرجوحية إلى الرجحان إذ لا يوجب القلب الا ما كان فقده موجبا لسوء الحال وقد تحصل بما تقدم ان في ترجيح المرجوح على الراجح قولا بالقبح وقولا بالامتناع ولعل الأول مقالة الأكثر بقي انه قد اعجبنى ان اذكر بالمناسبة شطرا من الكلام في الترجيح بلا مرجح والترجيح بلا مرجح اما الأول فعن الأشاعرة انهم قالوا بجوازه استدلالا بقدحي العطشان وطريقي الهارب من السّبع مع المساواة في جميع الجهات الداخلة في الرجحان وأنكروا جواز الترجيح بلا مرجح وقالوا ترجح أحد المتساويين من طرفي الممكن بلا سبب مرجح ضروري البطلان كيف لا ولو جوزناه ينسد باب اثبات وجود الصانع وامّا الترجيح من غير مرجح اى من غير داع لا من غير ذات متصف بالترجيح فليس بمحال بل المؤثر إذا كان مختارا فهو يرجح بإرادته اى مقدوريه شاء وعن الامامية والمعتزلة القول بالامتناع وربما يستدل عليه بان المختار وان يرجح أحد مقدوريه لكن إذا كان ارادته لأحدهما مساوية لإرادته للآخر بالنظر إلى ذاته توجه ان يقال كيف اتصف أحدهما بإحدى الإرادتين دون الآخر فان استند ترجيح هذه الإرادة إلى إرادة أخرى نقلنا الكلام فيها ولزم التسلسل في الإرادات وان لم يستند إلى شيء فقد ترجح أحد المتساويين على الآخر بلا سبب وربما يستدلّ أيضا بان الفعل الخالي عن الغرض والداعي عبث واللّه تعالى منزه عنه ورجوع الغرض اليه تعالى محال لتعاليه عن المنافع والمضار فيكون راجعا إلى المخلوقين ورعاية لمصالح العباد والاحسان إليهم والحق التفصيل في الباب بالقول بالامتناع في الترجيح بلا مرجح من اللّه تعالى والجواز في الترجيح من العباد للزوم التسلسل في الإرادات وقبح العبث في جانب اللّه سبحانه واما العبد فكثير اما يصدر منه العبث كيف لا وقد مدح اللّه سبحانه المؤمنين اى الكاملين في الايمان بالاعراض عن اللغو ومقتضاه عدم احتراز غيرهم إلّا ان يقال إن المقصود باللغو في المدح المشار اليه هو الفعل الخالي عن الرجحان المعتد به شرعا لا الخلو عن مطلق الرجحان بل غاية الأمر في افعال العباد كثرة الفعل الخالي عن النّفع المعتد به العائد إليهم واما خلو الفعل عن الداعي فهو في افعالهم غير ثابت نعم لا باس باستناد إرادة العبد إلى إرادة اللّه سبحانه فلا يلزم استناد فعل العبد إلى الداعي ولا باس بوقوع الترجيح بلا مرجح منه وان قلت إن إرادة اللّه سبحانه
رسالة في حجية الظن — صفحة 230
مساهمون: محمد بن محمد ابراهيم الكلباسي
ص٢٣٠