الامر إلى العقاب على ترك المجاهدة محل الاشكال كما أن كون ترك المصلحة ركيكا في نفسه محل الاشكال مضافا إلى أنه مبنىّ على اطراد الحسن والقبح في التروك وان كان الأظهر القول بالاطراد خامسها انه يزداد استحقاق العقاب على فعل الحرام وترك الواجب بالتكرار والغرض ان قبح ارتكاب الحرام في مرة الثانية مثلا أزيد من قبحه في المرة الأولى لا اجتماع القبح بالتكرار وبعبارة أخرى الغرض تزايد قبح الفعل بالتكرار لا تزايد القبح بالتكرار وإلّا فلا حاجة إلى اظهار الأخير وعلى ذلك المنوال يجرى الحال في تكرار ترك المأمور به وتكرار فعل المنهى عنه في الأمور العرفية ويرشد إلى ذلك ان أصحاب الكبائر لو أفتى عليهم الحد يقتلون في الثالثة أو الرابعة ويمكن ان يقال كما أن ترجيح ما اشتمل على النقض على ما اشتمل على الرجحان قبيح عقلا فكذا ترجيح ما خلى عن الرّجحان على ما اشتمل على الرجحان قبيح عقلا ولا جدوى في المداقة المذكورة أو يقال إن المصلحة في باب الواجب والرجحان في باب المستحب من الأمور الواقعية ولذا لا يلزم اشتمال ترك الواجب على المفسدة واشتمال ترك المستحب على الحزازة لكن في مقامنا هذا لما كان الامر في مقام الظاهر فكما ان الظنّ رجحان في جانب الفعل مثلا فالوهم نقص في جانب الترك لكن يمكن القول بان كون الوهم نقصا محل المنع بل المدار في الموهوم على الخلو عن الرجحان فقط كما مر إلّا ان يقال إن الوهم يعده أهل العرف نقصا وبعد هذا أقول ان دعوى حكم العقل بقبح اختيار المرجوح تنتقض بترك المستحب حيث إن فعل المستحب راجح شرعا والشارع المقدس جوز تركه بناء على عموم المرجوح لما خلى عن الرجحان لا اختصاصه بما اشتمل على المفسدة أو الحزازة وكذا بفعل المكروه لتجويز فعله من الشارع مع اشتماله على الحزازة وكذا ينتقض الدعوى المشار إليها يجوز الاتيان بالفرد الغير الأفضل من الواجب كالصّلاة في البيت ولصلاة في الحمام بالنسبة إلى الصلاة في المسجد وكذا جواز الاقتداء بالعادل والتقليد منه مع وجود الاعدل بناء على قبول العدالة للتفاضل وكذا جواز تقليد غير الأعلم على القول به لكن كل ذلك مبنى على عموم المرجوح لما خلى عن الرجحان بل العقل يستقل بعدم استحقاق العقاب على بعض المرجوحات كعدم الاحسان إلى الفقير بناء على عموم المرجوح لما خلى عن الرجحان اللهمّ الا ان يقرر الاستدلال بقبح اختيار الموهوم على المظنون في باب الواجب والحرام فلا يتأتى النقض بشيء مما ذكر وبعد هذا أقول ان الكلام في حجية الظنّ يعم الظنّ بالاستحباب والكراهة والإباحة والأحكام الوضعية بناء على كونها احكاما مستقلة والاستدلال بالوجه المذكور لا يجرى في شيء مما ذكر لكن يمكن الذب باختصاص الكلام في المقام بالظن بالوجوب والحرمة وكون حجية الظنّ في غيرهما بناء على حجية مطلق الظنّ من باب القطع بعدم الفرق والاجماع المركب وقد تقدم الكلام في الباب في بعض المقدمات وبعد هذا أقول ان قبح ترجيح المرجوح على الراجح انما يتأتى إذا كان الرجحان واقعيّا ثابتا في الواقع ولا أقل من ثبوته بالعلم واما إذا كان الرجحان ظنّيا فقبح ترجيح المرجوح محل المنع والامر فيما نحن فيه من الأخير إذ مرجع الكلام في حجية الظنّ إلى أن الشّارع هل أوجب العمل بالراجح عندنا والمنتج له لزوم القبح على الشارع لو أوجب العمل بالمرجوح عندنا والمسلم من لزوم القبح عليه انما هو لو أوجب العمل بالمرجوح الواقعي وبوجه آخر قبح ترجيح المرجوح على الراجح انما يتم إذا كان الراجح راجحا واقعا والموهوم مرجوحا واقعا بان كان ثبوت الرجحان بالعلم اقلا للزوم القبح على الشارع لو جوز العمل بالموهوم أو أوجبه كما هو المدار بناء على عدم حجية مطلق الظن إذ بناء على حجيّة الظنون الخاصّة لا يجوز الفتوى بمقتضى الشهرة مثلا واما لو كان الرجحان مظنونا واحتمل قبح المظنون واقعا فلا مجال للحكم بالقبح على الشارع أو أوجب العمل بالموهوم ويمكن الجواب بان قبح اختيار الموهوم من جهة قبح التجرى على المعصية لا لزوم القبح على الشارع في ايجاب العمل بالموهوم لاطراد قبح التجرى في صورة الظن وكذا في صورة الشك وصورة الوهم ومنشأ قبح التجرى هو كون الفعل بداعي العصيان نظير حسن الاحتياط حيث إن منشأ الحسن فيه هو كون الفعل والترك بداعي احتمال المحبوبية والمبغوضية الا ان المدار في التجرى على داعى نفس العصيان
ولداعى الاحتياط على داعى الاحتمال وممّا ذكرنا في منشأ قبح التجرى اختلاف القبح لاختلاف الداعي بكونه عن علم أو ظن أو شك أو وهم سلّمنا
رسالة في حجية الظن — صفحة 227
مساهمون: محمد بن محمد ابراهيم الكلباسي
ص٢٢٧