تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسالة في حجية الظن — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
لترتب العقاب قلت إن أوامر الشّارع من باب أوامر أرباب التربية كما حرّرناه في محله ولا ريب في ان أرباب التّربية كما يعاقبون على احداث المفسدة كذا يعاقبون على تقويت المصلحة مع أنه كما يترتب العقاب على فعل المفسدة كذا يترتّب على مجرّد التمرّد فلا باس بتطرق العقاب على ترك الواجب مع عدم ترتب المفسدة على التّرك وان قلت قد عرف المستحبّ بما يثاب فاعله والمكروه بما يثاب تاركه ومقتضى التعريفين انما هو استحباب ترك المكروه دون كراهة ترك المستحبّ فترك المكروه مستحب لكن ترك المكروه لا يكون مستحبّا قلت بعد انتقاض التّعريفين بالواجب والحرام لتطرّق الثواب على الفعل في الاوّل وتطرق الثواب على التّرك في الثاني انّ المكروه لا يكفى فيه مجرد الثواب على الترك في الثاني ان المكروه لا يكفى فيه مجرد الثواب على التّرك بل لا بدّ فيه من اشتمال الفعل على الحزازة بتسليم أرباب القول بالفرق بين ترك المستحب وترك المكروه باستحباب الثاني وعدم كراهة الاوّل ولا مجال للتفصيل وربما صرّح الشهيد في الرّوض نقلا بانّ ترك المستحب ليس مكروها وهو مقتضى ما صنعه وفي الرّوضة حيث نفى كراهة الصّلاة في السّود بعد ان حكم في اللّمعة باستحباب تركه وما قاله من انّ غير الامام من المصلّين يستحبّ له الرّداء ولكن لا يكره تركه بل خلاف الأولى قوله بل خلاف الأولى قد عبّر عنه ترك المستحبّ هنا بخلاف الأولى وقد حكى في التّمهيد عن بعض متاخّرى الأصوليين التّعبير عن مكروه العبادات كالصّلاة في الحمام بخلاف الأولى ويظهر من القاضي في تعليقات الرّوضة انّ ترك المستحبّ لا يكون مكروها إلّا إذا دلّ الدّليل على الكراهة ومرجعه إلى عدم كراهة ترك المستحبّ ومثله ما صنعه الشيخ على ما في تعليقات الرّوضة حيث استظهر ان المستحبّ لا يلزم من ترك المكروه لتوقّفه على الدّليل ومجرّد التّرك لا يصلح دليلا بعد ان ذكر انّ ترك الرّداء للامام مكروه وفعله مستحبّ ويتفرع على ما ذكرناه انه لا يتأتى التّسامح على القول بالتّسامح في الاستحباب في كراهة التّرك لو ورد الخبر الضعيف باستحباب الفعل ولا في كراهة الفعل لو ورد الخبر الضّعيف باستحباب التّرك ومزيد الكلام موكول إلى ما حرّرناه في بحث ان الامر بالشيء هل يقتضى النّهى عن ضدّه

ومنها ان الامر في المقام دائر بين وجوب تحصيل مطلق الاعتقاد بالاحكام الشرعيّة المعلومة اجمالا ووجوب تحصيل الاعتقاد القطعي

فيرجع الامر إلى الشكّ في المكلّف به وتردّده بين التخيير والتّعيين فيحكم بتعيين الاعتقاد القطعي تحصيلا للبراءة اليقينيّة وفيه انه مبنىّ على وجوب الاحتياط في باب الشك في المكلّف به والحق حكومة اصالة البراءة ولا سيّما في مثل ما نحن فيه ممّا لا يكون ارتباطيّا وقد حرّرنا شرح الحال في محله مع أنه لا يتأتى في واقعة انسدّ فيها باب العلم وأورد عليه بانّ وجوب تحصيل الاعتقاد بالاحكام مقدّمة علميّة للعمل بها وامتثالها فالحاكم بوجوبه هو العقل ولا معنى لتردّد العقل في موضوع حكمه وان الّذى حكم هو بوجوبه تحصيل مطلق الاعتقاد أو خصوص العلم بل امّا ان يستقل بوجوب تحصيل خصوص الاعتقاد أو خصوص العلم بل اما ان القطعي واما ان يحكم بكفاية مطلق الاعتقاد ولا يتصوّر الاجمال في موضوع الحكم العقلي لان التردّد في الموضوع يستلزم التردّد في الحكم وهو لا يتصوّر من نفس الحاكم أقول انه لا شك في امتناع تردّد العقل ثانيا في موضوع حكمه أولا مع استقرار التردّد في الحكم أو تردده أولا في موضوع حكمه لاستلزامه التردّد في الحكم حيث إن الحكم ح غير معلوم بشخصه فيلزم اجتماع الجزم والشك لكن لا باس بان يقال إن العقل أمكنه ادراك وجوب تحصيل أصل الاعتقاد فهو جازم بوجوب القدر المشترك لا يمكنه الجزم بأحد الفصلين من وجوب تحصيل العلم وكفاية الظنّ فهو أولا جازم بالقدر المشترك ومتردّد في الفصل وفي البين أحد الفصلين هو القدر المتيقن بوجوبه عند الشّارع وهو الظنّ والآخر هو القدر المتيقن في الامتثال وهو العلم فموضوع حكم العقل غير ما وقع التردد فيه وما وقع التردّد فيه غير موضوع حكم العقل وبوجه أوجه ان كان الغرض منافاة التردّد في الموضوع مع الجزم الشخصي فهو مسلم لكن الجزم بالحكم في المقام انّما هو الجزم بالحكم النّوعى وان كان الغرض منافاة التردّد في الموضوع مع الجزم بالحكم النّوعى فهو ممنوع كيف لا وفي باب الشّبهة المحصورة حرمة أو وجوبا كما في قبلة المتحيّر على القول بوجوب الاحتياط يتأتى الجزم بالحكم نوعا مع التردّد في الموضوع وان كان الغرض التردّد في الموضوع مع الجزم بالحكم من باب الجزم بالحال مع التردّد في المحل وهو محال ففيه انه لا استحالة في ذلك ولا باس به وما يستحيل انما هو وجود الحال بدون المحلّ وان كان الغرض انه لما كان الحاكم بالوجوب في المقام هو العقل فلا مجال لاجمال موضوع حكم العقل كما لا مجال لأصل حكمه ففيه انه لا باس بإحاطة العقل بالجنس دون الفصل
رسالة في حجية الظن — صفحة 139 | محمد بن محمد ابراهيم الكلباسي