ودلالة الكلام على استيعاب تفترض عادة دالّين :
أحدهما : يدلّ على نفس الاستيعاب ، ويسمّى بأداة العموم .
والآخر : يدلّ على المفهوم المستوعب لأفراده ، ويسمّى بمدخول الأداة .
شرح
تنطبق عليها الطبيعة فهو أنه لو قال المولى : أكرم كل عالم ، نجد أن كلمة ( كل ) تدل على شمول واستيعاب مفهوم العالم لأفراده ، بحيث لوحظ انطباق العالم على كل فرد منه ، أي : أن كلمة ( كل ) موضوعة لإفادة الاستيعاب والشمول بالنسبة لأفراد مدخولها ، والحكم في مقام الجعل يتعلق بكل فرد فرد من خلال أن هذه الأفراد ملحوظة بلحاظ الطبيعة ، لأن الطبيعة لوحظت منطبقة على أفرادها . وبتعبير آخر : إن الطبيعة لوحظت مرآة للأفراد . هذا في العموم . وأما إذا قال المولى : أكرم العالم ، أن المطلق - وهو كلمة ( العالم ) المأخوذة موضوعا في المثال - لا تدل على أكثر من الطبيعة غير المقيدة ، والحكم في مقام الجعل يتعلق بهذه الطبيعة ، وليس له تعدد في هذا المقام . وأما شمول الحكم لجميع الأفراد فهو ناتج من تحليل العقل ، فما دام وجوب الإكرام - في مقام الجعل - علق على فرض العالم في الخارج ، والتعليق على هذا الفرض يدل على أن تحقق الموضوع يمثل الوعاء لثبوت الحكم ، ولهذا فكلما ينطبق العالم على فرد يكون هذا الفرد موضوعا لفعلية وجوب الإكرام ، وهذا يعني أن الحكم الواحد المنشأ ينحل إلى أحكام متعددة بحسب تعدد انطباقات الموضوع ، فإذا انطبق العالم على زيد من الناس فإنه يجب إكرامه ، ويكون هذا الحكم فعليا بالنسبة إليه ، وإذا انطبق العالم على بكر فإنه يجب إكرامه ، ويكون الحكم فعليا بالنسبة إليه ، وكذلك لو انطبق العالم على عمرو فإنه يجب إكرامه أيضا ، ويكون الحكم فعليا بالنسبة إليه ، ففي مقام الفعلية يكون الحكم شاملا للأفراد المتحققة ، وهذا الانطباق الحقيقي للطبيعة في الواقع على أفرادها يكون سببا لتعدد الحكم ، فالكلام - في المثال أعلاه - يدل على جعل الحكم المعلق على الطبيعة بلا قيد ، ولكن في مرحلة انطباق الموضوع على أفراده - أي : في مرتبة المجعول - يتعدد هذا الحكم الواحد وبتحليل من العقل حسب تعدد أفراد الموضوع . ومن المفروض أن يبيّن المصنف ( رحمه الله ) الفرق بين العالم والمطلق الشمولي - في مقام نفس المفهوم ، لأن البحث حول تعريف العموم الذي يكون مدلولا للفظ المفرد ، وهو الأداة ، لا في مقام شمول الحكم للأفراد التي ينطبق عليها المفهوم ، وعلى كل حال لأجل إخراج الإطلاق الشمولي قيّد المصنف ( رحمه الله ) الاستيعاب ب ( المدلول عليه باللفظ )