البرهان الثاني : أنّ قرينة الحكمة ناظرة - كما تقدّم في بحث الإطلاق - إلى المدلول التصديقيّ الجدّي ، فهي تعيّن المراد التطبيقي ، ولا تساهم في تكوين المدلول التصوري . وأداة العموم تدخل في تكوين المدلول التصوريّ لكلام ، فلو قيل بأنّها موضوعة لاستيعاب المراد من المدخول الذي تعيّنه قرينة الحكمة - وهو المدلول التصديقي - كان معنى ذلك ربط المدلول التصوريّ للأداة بالمدلول التصديقيّ لقرينة الحكمة ، وهذا واضح البطلان ، لأنّ المدلول التصوريّ لكلّ جزء من الكلام إنّما يرتبط بما يساويه من مدلول الأجزاء الأخرى ، أي بمدلولاتها التصورية ، ولا شكّ في أنّ للأداة مدلولا تصوّريا محفوظا حتى لو خلا الكلام الذي وردت فيه من المدلول التصديقي نهائيا - كما في حالات الهزل - فكيف يناط مدلولها الوضعيّ بالمدلول التصديقي « 1 » ؟
شرح
الغرض من استعمال كلمة ( كل ) - في هذه الحال - هو تفهيم أن جميع أفراد طبيعة العالم هي الموضوع لوجوب الإكرام . وهذا على خلاف كلمة ( العالم ) في مثل :
أكرم العالم ، التي يستعملها المتكلم لتفهيم أن الطبيعة هي الموضوع لوجوب الإكرام ، وبإجراء مقدمات الحكمة يستفاد أن الحكم ثابت للطبيعة المنطبقة على جميع أفرادها أي أنه ثابت للطبيعة غير المقيدة بقيد ، فالنتيجة في الحالتين وإن كانت واحدة ، إلا إن شيوع الحكم لجميع الأفراد باستعمال أدوات العموم يكون مباشرا ، وأما شيوعه في أفراد الطبيعة بمعونة إجراء مقدمات الحكمة في الموضوع فيكون بصورة غير مباشرة ، والمتكلم قد يتعلق غرضه بإفادة أن الأفراد هي المصب للحكم بصورة مباشرة فيستعمل أداة العموم لإفادة هذا المعنى ، وقد يتعلق غرضه بتفهيم أن الأفراد تمثل مصبا للحكم ولكن بصورة غير مباشرة نتيجة لإجراء مقدمات الحكمة في الموضوع ، فيستعمل اللفظ بلا قيد لإفادة هذا المعنى . فلا يكون استعمال المتكلم لأداة العموم لغوا
( 1 ) وهذا البرهان للسيد الشهيد ( رحمه الله ) ، فما ذكره المحقق النائيني ( رحمه الله ) من أن دلالة الأداة على العموم متوقفة على إجراء مقدمات الحكمة في المدخول ، يشكل عليه بما حوصله : أن المدلول ( التصوري ) لكلمة ( كل ) في مثل :
أكرم كل عالم ، لو كان مربوطا بإجراء مقدمات الحكمة لإثبات أن ما لوحظ من -