شبهة التضادّ ونقض الغرض :
أمّا الاعتراض الأوّل فقد أجيب عليه بوجوه :
منها : ما ذكره المحقّق النائيني ( قدس سره ) من أنّ إشكال التضادّ نشأ من افتراض أنّ الحكم الظاهريّ حكم تكليفي ، وأن حجّية خبر الثقة مثلا معناها جعل حكم تكليفيّ يطابق ما أخبر عنه الثقة من أحكام ، وهو ما يسمّى ب ( جعل الحكم المماثل ) ، فإن أخبر الثقة بوجوب شيء وكان حراما في الواقع ، تمثّلت حجّيته في جعل وجوب ظاهريّ لذلك الشيء وفقا لما أخبر به الثقة ، فيلزم على هذا الأساس اجتماع الضدّين ، وهما : الوجوب الظاهري والحرمة الواقعية .
شرح
متضادتان ، ومن المعروف بين الأصوليين أن التخصيص في القواعد العقلية مستحيل ، ومعنى التخصيص أن يكون موضوع الحكم العقلي ثابتا دون الحكم المترتب عليه ، والوجه في استحالة التخصيص : أن الموضوع بنظر العقل بمثابة العلة للحكم ، فلو كان الموضوع ثابتا والحكم منتفيا ، فهذا يعني وجود العلة وانتفاء المعلول ، ويستحيل عقلا انفكاك المعلول عن العلة .
وأما كيف يستلزم جعل الحكم الظاهري التخصيص في القاعدة العقلية ، فيمكن توضيحه بمثال : كقيام الأمارة أو الأصل العملي ( كالاستصحاب ) على وجوب صلاة الجمعة ، فلو فرضنا أن الأمارة حجة والحجية من الأحكام الظاهرية ، وأثر هذه الحجية هو التنجيز فهذا يعني أن المكلف يكون مستحقا للعقاب على مخالفة ( عدم امتثال ) التكليف الذي قامت الأمارة على ثبوته ، مع أن موضوع حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان - وهو عدم العلم - ثابت ومتحقق ، لأن البيان وهو العلم لم يحصل ، ومنتهى ما تفيده الأمارة هو الظن بالحكم وليس العلم ، وهكذا في الأصل العملي ، إذ إنّ موضوع الأصل العملي هو عدم العلم ، ومع جريان الأصل يكون عدم العلم متحققا ، وهذا يعني أن موضوع قاعدة ( قبح العقاب بلا بيان ) ثابت ، ومع ذلك فإن حكم العقل بعدم استحقاق العقاب ينتفي بسبب حجية الأمارة أو الأصل المنجزين للتكليف ، فيكون المكلف مستحقا للعقاب ، رغم أن العلم بالتكليف لم يحصل ، وهذا يستلزم التخصيص في القاعدة العقلية . إذن فجعل الأمارة أو الأصل حجة ، مستحيل