تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج الوصول إلى دروس في علم الأصول ( شرح الحلقة الثالثة ) — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
فالأمر في قولهم : ( استقبل القبلة بذبيحتك ) ليس مفاده الطلب والوجوب ؛ لوضوح أنّ شخصا لو لم يستقبل القبلة بالذبيحة لم يكن آثما ، وإنما تحرم عليه الذبيحة . فمفاد الأمر إذن الإرشاد إلى شرطية الاستقبال في التذكية ، وقد يعبّر عن ذلك بالوجوب الشرطي ، باعتبار أنّ الشرط واجب في المشروط . والأمر في ( اغسل ثوبك من البول ) ليس مفاده طلب الغسل ووجوبه ، بل الإرشاد إلى نجاسته بالبول ، وأنّ مطهّره هو الماء . وأمر الطيب للمريض باستعمال الدواء ليس مفاده إلّا الإرشاد إلى ما في الدواء من نفع وشفاء . وفي كلّ هذه الحالات تحتفظ صيغة الأمر بمدلولها التصوريّ الوضعي ، وهو النسبة الإرسالية ، غير أنّ مدلولها التصديقيّ الجدّي يختلف من مورد إلى آخر .
شرح
إلى حب الخير له . أما الدفع والإرسال في الأمر الإرشادي فهو ناشئ من حب الآمر الرشد والخير للمخاطب ، وهذا الخير يختلف بحسب متعلق الأمر ، فإذا كان متعلقه من الأمور العبادية ، فهو يرشد إلى الثواب الموجود في العمل ، وإذا كان متعلقه شرطا نحو : استقبل بذبيحتك القبلة ، فالأمر الإرشادي يرشد إلى شرطية الاستقبال في التذكية ، وإذا كان المتعلق إحدى المعاملات نحو : بع عند النداء إلى الصلاة في يوم الجمعة ، فالأمر يرشد إلى صحة المعاملة ، وترتب الأثر عليها وهو الملكية ، وإذا كان متعلق الأمر الإرشادي من الأفعال ، كما في أمر الطبيب للمريض : اشرب الدواء مرتين ، فالمرشد إليه هو المنفعة الموجودة في شرب الدواء ، وإذا كان متعلقه متعلقا لحكم العقل ، مثل :( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) *، فالأمر إرشاد إلى حكم العقل . الفرق الثالث : من ناحية داعي الامتثال بالنسبة للمكلف ، فالمكلف عند امتثاله للأمر المولوي يقصد موافقة الأمر ، تحصيلا للثواب أو خوفا من العقاب ، أو يرى أن المولى أهل للطاعة ، لأن له حق الطاعة . وأما امتثال المكلف للأمر الإرشادي فهو بقصد تحصيل الخير الموجود في متعلق الأمر الإرشادي ، كما في تحصيل الشرطية أو تحصيل المنفعة الموجودة في الدواء . الفرق الرابع : من ناحية أثر الأمر ، ففي الأمر المولوي يحكم العقل بالثواب على موافقته والعقاب على مخالفته . أما في الأمر الإرشادي فالعقل لا يحكم بالثواب على الموافقة ، ولا بالعقاب على المخالفة