فإن قيل : إنّ القطّاع حين تتكوّن لديه قطوع نافية يزول من نفسه ذلك العلم الإجمالي ؛ لأنّه لا يمكنه أن يشكّ في قطعه وهو قاطع بالفعل « 1 » .
كان الجواب : أنّ هذا مبنيّ على أن يكون الوصول كالقدرة ، فكما أنّه يكفي في دخول التكليف في دائرة حقّ الطاعة كونه مقدورا حدوثا - وإن زالت القدرة بسوء اختيار المكلّف - كذلك يكفي كونه واصلا حدوثا وإن زال الوصول بسوء اختياره « 2 » .
شرح
( 1 ) فحاصل الإشكال على هذا الوجه : أن القطاع وقبل حصول قطوعه بنفي التكليف يحصل له علم إجمالي بالحكم الإلزامي في بعض الموارد ، لأنه يعلم أن قطوعه قد تنشأ من أسباب غير متعارفة ، ولكن بعد حصول القطع بنفي التكليف الإلزامي في كل هذه الموارد لا يبقى علم إجمالي يكون منجزا للحكم الإلزامي ، ذلك أن العلم الإجمالي ينتفي بحصول العلم التفصيلي بعدم التكليف في كل مورد مورد
( 2 ) ويجاب عن الإشكال السابق : بأن التكليف يتنجز على المكلف ، ويدخل في دائرة حق الطاعة بمجرد وصوله وحصول العلم به ، وإن زال هذا العلم بعد ذلك لسبب ما ، تماما كالقدرة التي يتنجز بها التكليف ، حتى لو تسبب المكلف إلى زوالها عنه بعد ذلك بسبب سوء اختياره .
فالعلم الإجمالي بوجود حكم إلزامي في بعض الموارد حكمه حكم القدرة ، حيث إن القدرة على الوضوء إذا كانت متحققة لدى المكلف في أول الوقت ، ولكن المكلف وبسوء اختياره سلب هذه القدرة عن نفسه بأن صرف الماء في حوائجه الأخرى وترك الوضوء ، فصار عاجزا عن أداء الصلاة بالطهارة المائية في الوقت ، تكون - مثل هذه القدرة - منجزة على المكلف ويكون مستحقا للعقاب على مخالفته للتكليف المتعلق بالإتيان بالصلاة بالطهارة المائية ، حتى ولو صار عاجزا عن الطهارة المائية بعد ذلك ، فالقدرة المتحققة ابتداء كافية لتنجيز التكليف حتى وإن زالت لاحقا .
وكذلك الأمر في العلم الإجمالي ، فالمكلف ( القطاع ) - وقبل حصول قطوعه التفصيلية بنفي التكليف - كان لديه علم إجمالي بوجود حكم إلزامي في بعض الموارد العشرين ( 20 ) التي قطع بعدم التكليف فيها ، لأنه يعلم أن بعض أسباب قطعه غير