بدقة ، قد يقال : إن القضية المتيقنة غير القضية المشكوكة ، باعتبار القضية المتيقنة هي ( الماء المتغير لونه وطعمه ورائحته ) ، بينما القضية المشكوكة هي ( الماء الذي زال تغيره ) حيث زالت الخصوصيات المذكورة منه ، فتكون القضية المتيقنة غير القضية المشكوكة ، وبالتالي لا يجري الاستصحاب .
ولكنّ المحققين من الأصوليين قالوا بجريان الاستصحاب في هذا المورد ؛ لأن الوحدة المعتبرة في الركن الثالث ليست هي الوحدة المبنية على النظر العقلي التحليلي الدقيق ، كما لاحظنا قبل قليل ، وانما هي الوحدة المبنية على النظر العرفي ، فلو سألنا العرف : هل تعتبر هذه النجاسة المشكوكة امتدادا للنجاسة المتيقنة السابقة ، أو هي نجاسة جديدة ؟ أي هل هذه النجاسة الجديدة نفس النجاسة السابقة أو لا ؟ يرى العرف ان النجاسة المشكوكة هي نفس النجاسة المتيقنة . وعلى هذا نقول : انه كلما صدق على المشكوك بالنظر العرفي انه نفس المتيقن ، حينئذ ينطبق على العمل بالشك انه نقض لليقين ، فيكون مشمولا لاطلاق دليل الاستصحاب ، ولذلك نحكم بنجاسة هذا الماء مع زوال تغيره .
وببيان آخر يمكن القول : إن الماء الذي تغير ثم انتفى التغير عنه ورجع لطبيعته قبل التغير ، لو فرضنا انه كان نجسا بعد زوال التغير ، فهل يعتبر العرف النجاسة بعد التغير امتدادا للنجاسة السابقة ، أو انه يعتبرها نجاسة جديدة غير النجاسة السابقة ؟ يرى العرف ان النجاسة المشكوكة لو كانت موجودة فهي امتداد للنجاسة السابقة المتيقنة ، بالرغم من الاختلاف في بعض الخصوصيات والأحوال ( زوال تغيّر اللون والطعم والرائحة ) ، وبذلك يتحقق الركن الثالث ( وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة ) فيجرى الاستصحاب .
محاضرات في أصول الفقه شرح الحلقة الثانية — صفحة 325
مساهمون: عبد الجبار الرفاعي
ص٣٢٥