ومثال ذلك عند العرف ، لو أمر الأب ولده بأمر ، ولم يفعل الولد ، مع علمه بالامر ، فان مخالفة الولد لأبيه مستهجنة عرفا ، ويستحق بموجبها التوبيخ ، وأما مع عدم علم الولد بأمر والده ، فلا يستحق التوبيخ على عدم امتثال الامر . هكذا يحكم العقلاء .
وكذلك الحال بين العبد ومولاه العرفي ، فلو أمره المولى ، وعلم بأمر مولاه ، غير أنه خالف أمر مولاه ، فإنه يستحق التوبيخ والعقاب . وأما إذا لم يعلم العبد بأمر مولاه ، ولم يصل اليه الامر ، فلا يكون العبد مستحقا للعقاب والتوبيخ .
من هنا لا يجوز ان يصدر عقاب من المولى للمكلف ، إذا لم يصل اليه التكليف ولم يعلم به .
مناقشة الدليل الأول على قبح العقاب بلا بيان :
قبل الدخول في المناقشة نشير إلى بيان مصطلح ( المصادرة ) ، فأحيانا عندما تساق بعض الأدلة يقال : هذا الدليل مصادرة ، والمقصود بالمصادرة ان تجعل نفس مقدمة الدليل هي النتيجة ، اي تجعل نفس الدعوى دليلا ، كما في قولنا : كل بشر انسان ، وكل انسان ضاحك ، والنتيجة : كل بشر ضاحك ، بعد حذف الحد الأوسط ( انسان ) ، فلو لاحظنا المقدمة ( كل انسان ضاحك ) نجدها نفس النتيجة ( كل بشر ضاحك ) أي ان المقدمة هي النتيجة ، والنتيجة هي المقدمة ، وهذا شكل من اشكال المغالطة .
والمغالطة من نوع المصادرة تارة تكون واضحة ، وأخرى تكون مبهمة ، تحتاج إلى تدقيق وتأمل وامعان نظر . والمصادرات التي نلاحظها في براهين