تصوير آخر للنسخ :
هناك مرحلة للحكم هي مرحلة الجعل ، وهي غير مرحلة الملاك والإرادة ، ففي مرحلة الملاك والإرادة صوّرنا النسخ بمعناه المجازي ، الذي يمكن أن يصدق في حق الشارع ، بينما لا يمكن ان يصدق بالنسبة اليه النسخ بمعناه الحقيقي ، وهو انكشاف الخطأ في تقدير المصلحة .
أما النسخ بمعنى نسخ الجعل ، ففي مرحلة الاعتبار أو الجعل يمكن ان نصوّر النسخ بمعناه الحقيقي والمجازي معا .
أما تصويره بمعناه الحقيقي ، فهو ان نفترض ان المولى يجعل حكما على طبيعي المكلف ، وهذا الحكم يجعله مطلقا ، من دون ان يقيده بزمان معين ، ثم بعد ذلك ينسخ هذا الحكم ، اي يرفع الجعل الأول ويحلّ محله جعلا جديدا ؛ لانتفاء الملاك الأول وتحقق ملاك ثاني ، والمولى يعلم أن الملاك الأول مدته تستمر إلى هذه الفترة ، ثم بعد ذلك ينتفي هذا الملاك ويتحقق ملاك آخر ، والذي يستدعي بدوره حكما آخر .
ولكن انما اعتبر الجعل مطلقا ، لينبه المكلف إلى أهمية الحكم ، ولذا لم يقل للمكلف منذ بداية الامر : ان مدة التشريع سنة أو سنتان أو ثلاث سنوات مثلا ، وانما قال : يجب عليك كذا مطلقا ، والمكلف كان يشعر حينما خوطب بهذا التشريع ان التشريع مستمر إلى الأبد ، مع أن المولى يعلم أن أمد هذا التشريع لا يتجاوز المدة المؤقت بها ، باعتبار انتفاء الملاك بعد ذلك الوقت ، ومجيء ملاك جديد ، فيستدعي حكما آخر .
وبعبارة أخرى : أن المولى اعتبر الحكم مطلقا ، ولم يقيده بزمانه المعيّن والمعلوم لديه ، ربما من اجل ان المولى يريد ان يشعر المكلف بهيبة الحكم ؛ لأنه