تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحلقة الثالثة — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
يخرج عن إطلاق الدليل حالة العلم الوجداني خاصّة ، فلا يكون الاستصحاب رافعا لموضوع دليل حجّيّة الأمارة ، خلافا للعكس فإنّ الشكّ وعدم العلم مأخوذ في دليل الاستصحاب لسانا ، فبجعل الأمارة علما يرتفع موضوعه بالحكومة . ويجاب عن الإشكال عند من يرى الحكومة بما حاصله : أنّ الأمارة والاستصحاب وإن كان مفادهما التعبّد العلمي ، إلا أنّه مع ذلك هناك فارق بينهما إثباتا ، وهذا الفارق الإثباتي يكشف عن وجود فارق ثبوتي أيضا . وبيانه : أنّ موضوع دليل حجّيّة الأمارة لم يؤخذ فيه عنوان الشك بحسب اللسان والصياغة والدلالة ، فمثلا دليل حجّيّة الخبر - سواء السيرة أو الآيات أو الروايات - مفاده التعبّد بالعمل بالخبر من دون أن يؤخذ فيه الشكّ أصلا ، كقوله تعالى :
إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا . . .
فإنّ مفهومها أنّه إذا جاء العادل بالنبإ فلا تتبيّنوا ، فالشكّ غير مأخوذ في الموضوع أصلا ، وهكذا الروايات الدالّة على الإرجاع إلى الثقات والأخذ عنهم معالم الدين فإنّه لم يرد فيها عنوان الشكّ . ومن هنا نقول : إنّ دليل حجّيّة الأمارة يثبت حجّيّتها وجواز التعبّد بها مطلقا ، وهذا الإطلاق شامل بالنظرة الأوّليّة حتّى لحالة وجود العلم الوجداني المخالف للأمارة ، إلا أنّ هذا المورد يحكم العقل بلزوم رفع اليد عنه وإخراجه عن موضوع الأمارة وإن كان مشمولا لإطلاقها ؛ وذلك لأنّه لا معنى لتقديم الأمارة على العلم الوجداني المخالف لها ؛ لأنّ العلم الوجداني حجّة بنفسه ولا يمكن رفع اليد عنه ولا يمكن الردع عن حجّيّته ، والأمارة المخالفة له لا يمكنها أن تردع عن العمل بالقطع الوجداني ، بل العكس هو الصحيح ؛ لأنّ الأمارة حجّة ولكن حجّيّتها مرهونة بعدم الردع عنها ؛ لأنّه يمكن سلب الحجّيّة عنها وهنا القطع المخالف لها يكون رادعا عن العمل بالأمارة ورافعا لحجّيّتها . وعلى كلّ حال فالإطلاق في الأمارة موجود ولكن خرج منه بحكم العقل حالة القطع الوجداني على الخلاف ، ويبقى ما عدا ذلك داخلا في موضوع الأمارة ، ولذلك إذا قام الاستصحاب على مورد وقامت الأمارة عليه قدمت الأمارة على الاستصحاب بالحكومة ؛ لأنّ موضوعها ثابت في هذا المورد بينما دليل الاستصحاب قد أخذ في لسانه عدم العلم ، وهنا العلم بقيام الأمارة متحقّق فيرتفع موضوع
شرح الحلقة الثالثة — صفحة 135 | الشيخ حسن محمد فياض حسين العاملي