واقعا ، فتكون الحجّيّة الأخرى منتفية لارتفاع موضوعها تعبّدا وادّعاء ؛ إذ لا وجود للملاكات الإلزامية الواقعيّة لتجعل هذه الحجّيّة المذكورة ظاهرا من أجل الحفاظ عليها .
وعليه ، فلا محذور من الأخذ بدليل البراءة ولا يلزم منه إلغاء الحجّيّة الأخرى مع تماميّة موضوعها ، وإنّما تنتفي هذه الحجّيّة الأخرى وتلغى من باب ارتفاع موضوعها تعبّدا وادّعاء .
فالبراءة هي الثابتة ما لم يقم دليل أقوى يدلّ على الإلزام ، فإنّه إذا قامت الحجّة المعتبرة شرعا الدالّة على الإلزام فإنّه يرفع اليد بها عن البراءة لكونها أقوى ، فتكون حاكمة على دليل البراءة ورافعة لموضوع البراءة تعبّدا وادّعاء ؛ لأنّ الدليل الدالّ على الحجيّة يكون أقوى وأظهر وأصرح من البراءة .
وقد يقام الدليل على عدم حجّيّة ما يشكّ في حجّيّته من الأمارات بما اشتمل من الكتاب الكريم على النهي عن العمل بالظنّ وغير العلم ، فإنّ كلّ ظنّ يشكّ في حجّيّته يشمله إطلاق هذا النهي .
استدلّ الشيخ الأنصاري على عدم حجّيّة ما يشكّ في حجّيّته من الأمارات والظنون الكاشفة كشفا ظنيّا ناقصا عن الحكم الواقعي بالآيات الكريمة الدالّة على النهي وحرمة العمل بالظنّ وغير العلم ، كقوله تعالى :
قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ
« 1 » ، وقوله :
إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً
« 2 » ، وكقوله :
ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ
« 3 » .
فإنّ هذه الآيات وغيرها من الأخبار دالّة على حرمة العمل بالظنّ والافتاء به ونسبته إلى الشارع ، فإنّ العلم فقط هو الذي يجوز العمل به ؛ بل يجب . وأمّا غير العلم فإن كان هناك دليل قطعي دلّ على جواز العمل به فهو ، وإلّا فيبقى إطلاق النهي شاملا لحرمة العمل بهذا الظنّ المشكوك جعل الحجّيّة له شرعا ؛ إذ لا يعلم خروجه عن دائرة النهي ، والفرد الذي لا يعلم ولا يحرز خروجه عن الإطلاق أو
هامش
( 1 ) يونس : 59 .
( 2 ) يونس : 36 .
( 3 ) النساء : 157 .