المعنى الثاني : أن يأتي الشارع إلى نفس القطع :
فيأتي الشارع إلى نفس القطع ويقول للقاطع : " لا تهتم به واستبدله بقطع آخر " ، وهذا لا يمكن لأن هذا الشخص قاطع وعنده اليقين فكيف نطلب منه عدم القطع أو استبداله بقطع آخر لأنه لن يقبل أن يغيّر قطعه ، فهو سيقول : " أنا قاطع بذلك فكيف لا أستند إلى قطعي ؟ ! " .
إذن : بالطريقة الأولى يمكن للشارع أن يتدخل لإزالة القطع ، ولكن بالطريقة الثانية لا يتدخل الشارع ، وإن قلنا بأن الشارع يتدخل فإن المكلف لن يقبل ذلك لأن الحجية لا تنفك عن القطع حتى وإن كان قطعه غير مطابق للواقع لأن القاطع حين قطعه يعتقد أن قطعه مطابق للواقع ولن يقبل أن يقال له إن قطعك غير مطابق للواقع .
مثلا المكلف القاطع بوجوب شيء لن يأتي الشارع ويقول له : " اقطع بالإباحة " ؛ لأن المكلف سيقول إذا قطعت بالوجوب وفي نفس الوقت قطعت بالإباحة فإن هذا مستحيل لأنه يوجد تناف وتضاد بين الوجوب والإباحة ، فكيف أقطع بأمرين متنافيين متضادين ؟ ! هل يمكن أن أقول للشيء الواحد أبيض وأسود في نفس الوقت ؟ !
إذن : تدخل الشارع لإزالة القطع بحكم واقعي لا يمكن لوجود التنافي بين الأحكام الواقعية .
قد يقال : ولكن ما يقطع به المكلف قد لا يكون مطابقا للواقع ، فإذا لم يكن مطابقا للواقع فلا يكون ما قطع به حكما واقعيا ، وإنما هو حكم قطع به المكلف ، وبالتالي يمكن أن يجتمع حكم واقعي وحكم ليس واقعيا .