Skip to main content

دروس في اصول الفقه ( توضيح الحلقة الثانية ) — Page 164

Contributors:

P.164

رد الفعل المعاكس في النطاق السني :

إن الاتجاه العقلي المتطرف لقي معارضة في النطاق السني أيضا ، فعلى الصعيد الفقهي تمثل رد الفعل في قيام المذهب الظاهري على يد داود ابن علي بن خلف الأصبهاني في أواسط القرن الثالث إذ كان يدعو إلى العمل بظاهر الكتاب والسنة والاقتصار على البيان الشرعي ويشجب الرجوع إلى العقل . وانعكس رد الفعل على البحوث العقائدية والكلامية متمثلا في الاتجاه الأشعري الذي عطل العقل وزعم أنه ساقط بالمرة عن إصدار الحكم حتى في المجال العقائدي ، وقد كان المقرر بين العلماء أن وجوب المعرفة باللّه والشريعة حكم عقلي لا حكم شرعي لأن الحكم الشرعي ليس له تأثير في حياة الإنسان إلا بعد أن يعرف ربه وشريعته ، وخالف الأشعري ذلك وأكد أن وجوب المعرفة باللّه حكم شرعي كوجوب الصلاة والصوم . وامتد رد الفعل إلى علم الأخلاق - وكان وقتئذ يعيش في كنف علم الكلام - ، فأنكر الأشاعرة قدرة العقل على تمييز الحسن من الأفعال عن قبيحها ، فلا يمكن للعقل أن يميز بين العدل والظلم ، وإنما صار الأول حسنا والثاني قبيحا بالبيان الشرعي ، ولو جاء البيان الشرعي بقبح العدل وحسن الظلم لم يكن للعقل أي حق في الاعتراض على ذلك . وردود الفعل هذه كانت تشتمل على نكسة وخطر كبير لا يقل عن خطر الاتجاه العقلي المتطرف لأنها اتجهت إلى القضاء على العقل بشكل مطلق وتجريده عن كثير من صلاحياته وإيقاف النمو العقلي في الذهنية الإسلامية بحجة التعبد بنصوص الشارع والحرص على الكتاب والسنة .