وقد أدّت حركة المحدّث الأخباري إلى نفس النتائج التي سجّلتها الفلسفة الحسّيّة في أوروبا إذ وجدت نفسها مدعوّة بحكم اتّجاهها الخاطئ إلى معارضة الأدلة التي يستدل بها المؤمنون على وجود اللّه عزّ وجل لأنها تندرج في نطاق المعرفة العقليّة المنفصلة عن الحسّ ، ونرى أن محدّثا مثل السيد نعمة اللّه الجزائري يطعن في تلك الأدلة بكل صراحة وفقا لاتّجاهه الأخباري كما نقل عنه الفقيه الشيخ يوسف البحراني في كتابه " الدرر النّجفيّة " ، ولكن ذلك لم يؤدّ بالتفكير الأخباري إلى الإلحاد لاختلافه عن الفلسفة الحسّيّة الأوربية في الظروف التي ساعدت على نشوء كل منهما ، فإن الاتجاهات الحسية والتجريبية في نظرية المعرفة تكوّنت في فجر العصر العلمي الحديث لخدمة التجربة وإبراز أهميتها ، فكان لديها الاستعداد لنفي كل معرفة عقليّة منفصلة عن الحسّ ، وأما الحركة الأخبارية فكانت ذات دوافع دينيّة ، واتّهمت العقل لحساب الشّرع لا لحساب التجربة .
وفي رأي كثير من الناقدين كانت الحركة الأخبارية تستبطن تناقضا لأنها شجبت العقل من ناحية لكي تخلي ميدان التشريع والفقه للبيان الشرعي ، وظلت من ناحية أخرى متمسكة به لإثبات عقائدها الدينية لأن إثبات الخالق والدين لا يمكن أن يكون عن طريق البيان الشرعي بل يجب أن يكون عن طريق العقل .
دروس في اصول الفقه ( توضيح الحلقة الثانية ) — Page 167
Contributors: محمد حسين الأشكناني
P.167