المفسرون ، ومن المعلوم ان امره تعالى المؤمنين بالصلاة وبيان النبي صلى اللّه عليه وسلم اجزائها وشرائطها التي منها طهارة المصلى عن الاحداث وطهارته وطهارة لباسه ومسجده عن الأخباث التي هي عبارة عن النجاسات العينية ، كان قبل هذا العام مدة سنين بالقطع واليقين ، ومعه كيف يصح ان يدعى ان كلمة النجس في قوله تعالى
إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ
كانت مستعملة في معناها اللغوي ، مع انصرافه إلى النجاسات العينية بلحاظ انسباقها إلى أذهان المسلمين من جهة ارتكازها في أذهانهم في تلك المدة ، ولذا قال في مجمع البيان في ذيل تفسير هذه الآية ، ان قوله تعالى
إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ
ظاهر في نجاستهم العينية ، ومع انسباق هذا المعنى اى النجاسة العينية من لفظ نجس في الآية إلى الأذهان ، لو كان المراد منه النجاسة بمعناها اللغوي الأعم لكان على الشارع بيانه والا لاخل بعرضه ، وثانيا ان النجس معناه اللغوي هو القدر الذي هو عبارة عما يتنفر الطبع عنه ، ومعه كيف يمكن ان يكون المراد منه في الآية هذا المعنى ، مع أنّه لا قذارة بهذه المعنى في المشركين ، وثالثا ان قياس كلمة النجس في الآية الأولى بكلمة الرجس في الآية الثانية ، مع الفارق إذ ليس لكلمة الرجس في الآية الثانية معنيان عام لغوى وخاص اصطلاحى ، وذلك لما صرح به المفسرون من أن المراد منه هو العمل القبيح والمأثم ولذا جعله اللّه تعالى من عمل الشيطان ، ومن المعلوم ان العمل القبيح يختلف باختلاف متعلقه فهو بالنسبة إلى الخمر شربها وإلى الميسر اللعب بها وإلى الأنصاب عبادتها وإلى الأزلام التفال بها ، لكن هذه الأفعال لما فيها من المفاسد مشتركة في كونها عملا ، قبيحا عقلا فتكون محرمة شرعا ، لان كل ما حكم العقل بقبحه يحكم الشرع بحرمته ، ولذا امر تعالى بالاجتناب عن تلك الأفعال بقوله
فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ،
وهذا الحكم حيث يكون دائميا بدوام قبح هذه الأفعال ، لان العقل انما يحكم بقبح شرب الخمر لما يترتب عليه من السكر المزيد للعقل ، وبقبح اللعب بالميسر لما يترتب عليه من استكمال الاخلاق الرذيلة الدنية ، كما قال تعالى
إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ ،