تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درر الفوائد ( طبع جديد ) — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
المشروط يجب التحرك نحو كل من الفعل ومقدماته على حسب ما جعل له من المحل ، فإن كان محل الفعل قبل الشرط يجب الشروع فيه قبله ، وان كان بعده فبعده ، وان كان مقارنا له فمقارنا ، فعلى هذا متى علم أن هذا الآن الذي هو فيه آن حصول الغصب والاغتراف تجب عليه المبادرة بالوضوء ليصير وضوئه مقرونا بالاغتراف . هذا على تقدير اخذ الشرط نفس الفعل الخارجي . واما لو اخذ العنوان الانتزاعي فاعلم أن العنوان الانتزاعي يكون حاصلا للمكلف وهو نائم ، بل قبل تولده ، ويكون من القدماء ، لوضوح ان كون زيد ممن يغترف من الآنية الغصبية كان في علم اللّه من الأزل ككونه ممن يولد ويكبر ، فلا يكون اختيار قلبه تحت قدرة المكلّف ، وفرض عدم اختيار المكلف للفعل فرض خلف هذا العنوان وانه لم يكن من الأزل بل كان نقيضه ، واما مع فرض كونه من الأزل فلا يمكن قلبه ، هذا ، مع أن نفس الفعل الخارجي يكون مقدورا له ، وليس مجرد كونه ممن يعصي في علم اللّه سببا لكونه غير قادر على الفعل ، لوضوح ان العصاة قادرون ، مع كونهم متّصفين بالعصيان إلى آخر العمر ، فيكشف عن تحقق عنوان يعصي فيهم . وبالجملة فتكليف " لا تغصب " وان كان لا بد وان يكون بلا اطلاق ولا تقييد بالنسبة إلى هذا العنوان الانتزاعي كما ذكرنا كنفس الفعل الخارجي ، لكن الفرق انه كان يتشبث بذيل الفعل الخارجي يد التكليف واقتضائه لمكان مقدوريته ، ولا يمكن ذلك في الانتزاعي ، لعدم المقدورية ، فلا يمكن ان يقال هنا : ان تكليف " لا تغصب " يقتضي قلب عنوان يعصى بلا يعصى ، وتكليف توضّأ ، يقتضي الوضوء ، مع فرض حفظ عنوان يعصى بدون اقتضاء له في نفس هذا العنوان وجودا وعدما ، حتى لا يرجع مآل التكليفين إلى اقتضاء الجمع . واذن فنقول الشخص الذي يعصى ويغترف في علم اللّه يكون تكليف " لا تغترف " بالنسبة اليه فعليا ، لما قلنا من أن فرض كونه كذلك لا يخرجه إلى القهر بالنسبة إلى الفعل الخارجي ، وإلّا لزم ان لا يكون العصاة مكلّفين ، نعم لا يمكن ان يكون هذا التكليف متوجها اليه بعنوان انه ممن يغترف ، بل بعنوان انه أحد المكلفين ، وكذلك يكون تكليف " توضّأ " أيضا بالنسبة اليه فعليا ، لفرض حصول شرطه من كونه ممن يغترف ، فاجتمع فيه تكليفان : أحدهما بعنوان ايّها المكلف ، والآخر بعنوان ايّها الذي تغترف ، فمقتضى الأول لا تغترف ايّها المكلف ، ومقتضى الثاني لأنك كنت ممن يغترف فتوضّأ ، فقد اقتضى التكليفان جمع الضدين ، ولا يرفع غائلة محذور التكليف بالضدين جمعا ما فرضنا من كون المكلف قادرا على ترك الاغتراف ، فان مجرد قدرته لا يرفع قبح صدور التكليف بهذا المنوال من الشارع .