واقعا ، فبمجرّد صدور النهي تنتفي الإباحة بانتفاء أحد جزئي موضوعها ، وهذا ليس من باب تخلّف الحكم عن موضوعه التامّ ، بل من باب انتفاء الموضوع المركّب بانتفاء أحد جزءيه ، وأمّا على الثاني فيكون الموضوع للإباحة هو المشكوك بما هو مشكوك المجامع مع ورود النهي واقعا ، فيلزم محذور تخلّف الحكم عن موضوعه لا محالة .
وثانيا : أنّ تخلّف الحكم عن موضوعه ليس ممتنعا ، وما ذكر من الامتناع ناش من قياس عالم التشريع بعالم التكوين بتخيّل أنّ الموضوع التامّ بالنسبة إلى حكمه ، كنسبة العلّة التامّة إلى المعلول ، وبما أنّ تخلّف المعلول عن علّته التامّة مستحيل فكذلك تخلّف الحكم عن موضوعه .
وقد عرفت أنّ الجهات الخارجيّة دخيلة في جعل الأحكام على متعلّقاتها ، فلا إشكال في تخلّف الحكم عن موضوعه فيما إذا اقتضت المصالح الخارجيّة لذلك .
الأمر الثاني : أنّ الإباحة الظاهرية حيث إنّها مغيّاة بصدور النهي واقعا ، أو مقيّدة بعدم صدوره واقعا ، فمع الشكّ في حصول الغاية أو القيد لا يصحّ ترتيب آثار الإباحة ، بل لا بدّ في ترتيبها من إحراز عدم صدور النهي ، والمفروض أنّ عدم صدوره غير محرز وجدانا ؛ إذ البحث في شيء شكّ في حلّيته وحرمته ، فلا بدّ من إحرازه تعبّدا بأصالة عدم صدور النهي حتّى تثبت الإباحة فعلا للموضوع المشكوك حكمه الواقعي .
ثمّ إن كان الغرض من إجراء الأصل مجرّد نفي الحرمة ظاهرا فلا مانع منه ، إلّا أنّه ليس من الاستدلال بالحديث بل بالأصل .
وإن كان الغرض منه التعبّد بالإباحة الشرعيّة فحينئذ يكون استدلالا بالحديث ، إلّا أنّه لا يجري الاستصحاب لإثبات الإباحة الشرعيّة ، وذلك لعدم إمكان إرادة الإباحة الواقعيّة أو الظاهرية من الحديث ؛ لما عرفت في الصورة الأولى والأمر الأوّل من الصورة الثانية ، وأمّا استصحاب الإباحة بمعنى اللاحرجيّة العقليّة فغير جار
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 517
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٥١٧