وثانيا : أنّ ورود النهي من الشارع تحديدا للموضوع ليس بيانا لأمر بديهي لا يناسب شأن الإمام عليه السّلام ؛ لأنّ ما هو كالبديهي إنّما هو فيما لو أريد بالمطلق الإباحة العقلية في مقابل الحظر العقلي ، ولكن مفروض البحث هو الإباحة الشرعيّة الواقعيّة التي هي من الأحكام الخمسة التكليفيّة المتوقّفة على الجعل والتشريع بالضرورة ، ولولاه لم يصحّ إسنادها إلى الشارع .
وثالثا : أنّ مقدّمية عدم أحد الضدّين للضدّ الآخر إنّما هو ممتنع في دائرة التكوينيّات دون الاعتباريّات التي منها الأحكام الشرعيّة ، فلا مانع من تقييد الإباحة بعدم ورود النهي .
أضف إلى ذلك أنّه لا تضادّ بين الأحكام الشرعيّة كما ذكرناه مرارا ، فلا يجري فيها مقدّمية عدم أحد الضدّين لوجود الضدّ الآخر .
وأمّا الصورة الثانية : فأفاد قدّس سرّه « 1 » في وجه امتناعها أمورا ثلاثة :
الأوّل : أنّ موضوع الإباحة الظاهرية هو الشيء المشكوك حكمه الواقعي ، وهذا الموضوع مغيّا بالعلم بالحكم ، نظير قوله عليه السّلام : « كلّ شيء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام » حيث أخذ العلم بالحرمة غاية للحلّية الظاهرية ، ويستحيل أن تكون الإباحة الظاهرية مغيّاة بصدور النهي واقعا مع بقاء الجهل به ، وإلّا لزم ارتفاع الحكم - أي الإباحة الظاهرية - عن موضوعه - الشيء المشكوك حكمه الواقعي - وليس هذا إلّا تخلّف الحكم عن موضوعه ، وهو في الاستحالة كتخلّف المعلول عن علّته التامّة .
وفيه أوّلا : أنّه لا يلزم في المقام تخلّف الحكم عن موضوعه التامّ مطلقا ، بل لا بدّ من التفصيل بين ما إذا كان صدور النهي قيدا للإباحة الظاهرية أو غاية لها ، فعلى الأوّل يكون موضوع الإباحة الظاهرية هو المشكوك المقيّد بعدم صدور النهي فيه
هامش
( 1 ) نهاية الدراية 2 : 187 .