تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 515

مساهمون:

ص٥١٥
للمصلحة والمفسدة ، وذلك ينافي فرض اقتضائيّته للمفسدة الداعية إلى تشريع الحرمة . لا يقال : لااقتضائيّته إنّما هي من حيث ذاته ، وذلك لا ينافي اقتضائيّته للمفسدة بعنوان ثانوي يستدعي الحرمة . فإنّه يقال : ظاهر الرواية هو وحدة متعلّقي الإباحة والنهي عنوانا ، فالماء الذي بعنوانه صار مباحا هو بهذا العنوان يتعلّق به النهي ، لا بعنوان آخر ينطبق عليه بحيث يكون موضوع النهي ذلك العنوان كالغصب مثلا . وأمّا إذا أريد بورود النهي تحديد الموضوع وتقييده فلا يصحّ أيضا سواء كان بنحو المعرّفية والمشرية ، بأن يكون المقصود أنّ الموضوع الذي لم يرد فيه نهي مباح ، والموضوع الذي ورد فيه نهي ليس مباحا ، أم كان بنحو تقيد أحد الضدّين بعدم الضدّ الآخر حدوثا أو بقاء ؛ إذ على الأوّل يلزم حمل الخبر على ما هو كالبديهي الذي لا يناسب شأن الإمام عليه السّلام وعلى الثاني يلزم مقدّمية عدم أحد الضدّين للضدّ الآخر ، وقد أثبتنا استحالة ذلك في مبحث الضدّ . ويرد عليه أوّلا : أنّ الأحكام الشرعيّة وإن كانت تابعة للمصالح والمفاسد ، ولكن ليس من الضروري أن تكون تلك المصالح والمفاسد كامنة في نفس الموضوعات حتّى يكون الاقتضاء واللااقتضاء راجعا إليها دائما ، فإنّ الجهات الخارجية والعوامل الاجتماعية لها مدخلية تامّة في التشريعات الإسلاميّة ، فمثلا نجاسة الكفّار والمشركين ليس لأجل وجود قذارة فيهم كما هو شأن سائر الأعيان النجسة ، بل أراد الشارع الحكيم بذلك إبعاد المسلمين عن الكفّار وعدم الاختلاط بهم وترك معاشرتهم لئلّا تسري الأفكار الإلحادية في صفوف المسلمين ولا ينتشر الفساد والضلال في أوساطهم حفظا لشوكة المسلمين وأصالتهم وسيادتهم . وعليه فمن الممكن أن يكون الموضوع لا اقتضائيا ، إلّا أنّ الموانع الخارجية والمصالح السياسيّة الإسلاميّة تقتضي جعل الحرمة له ، وكذلك بالعكس .
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 515 | الشيخ فاضل اللنكراني