والتحقيق : أنّ القسم الأوّل من كلامه قدّس سرّه صحيح لا يكون قابلا للمناقشة ، وأمّا القسم الثاني من كلامه قدّس سرّه فلا يكون قابلا للمساعدة ، فإنّ المراد من « لا يعلمون » هو الجهل بالواقع ، فلا بدّ ممّا يرد في مقابله بعنوان البيان أن يرتفعه وينقلب إلى العلم .
ومعلوم أنّ وجوب الاحتياط ليس بيانا للواقع حتّى يكون كذلك ، فإنّ مجرى الاحتياط ومورد دليل وجوب الاحتياط هو الشكّ في الحكم الواقعي ، ولا يمكن أن يكون الأصل العملي بعنوان البيان والعلم ورافعا للشكّ ، وعليه فالبراءة المستفادة من الحديث معارضة لأدلّة الاحتياط سواء كانت كلمة « ما » مصدرية أو موصولة .
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني قدّس سرّه « 1 » ذهب إلى تفصيل آخر ، وتوضيحه : أنّ وجوب الاحتياط المستفاد من الأدلّة إمّا أن يكون طريقيّا بمعنى أنّ وجوب الاحتياط إنّما يكون طريقا إلى الحكم الواقعي المجهول فيكون الملاك في جعل وجوب الاحتياط من قبل الشارع مجرّد الاحتفاظ على الواقع في ظرف الجهل به ، ومن الواضح أنّه لا ثواب ولا عقاب لهذا الأمر الاحتياطي . وإمّا أن يكون نفسيّا ؛ بأن يكون الاحتياط واجبا في نفسه من دون نظر إلى الواقع المجهول وذلك لجعل المكلّف أشدّ مواظبة وأقوى إرادة على ترك المحرّمات وإتيان الواجبات ومن الواضح ترتّب الثواب والعقاب على هذا الأمر الاحتياطي .
ثمّ إذا كان وجوب الاحتياط طريقيّا فتكون البراءة معارضة له ؛ إذ حديث السعة ظاهر في الترخيص في مورد الحكم الواقعي المجهول ، ودليل وجوب الاحتياط الطريقي ظاهر في أنّ إيجابه إنّما هو لأجل التحفّظ على الحكم الواقعي المجهول ، فيكون المكلّف في ضيق منه ، وهذا هو التعارض . وأمّا إن كان إيجاب الاحتياط نفسيّا فحينئذ يكون رافعا لموضوع حديث السعة ويقدّم عليه ، وذلك لأنّ المكلّف بعد العلم بوجوب الاحتياط النفسي لا محالة يقع في ضيق من ناحية هذا الوجوب ، ولكن
هامش
( 1 ) كفاية الأصول 2 : 177 .