فيستفاد من هذه الروايات بل مع قطع النظر عنها أنّ الإكراه لا يكون مجوّزا لقتل نفس محترمة وإن كان التوعيد بقتل نفس المكره ، ومن هنا نستفاد قاعدة كلّية وهي أنّ مع شمول حديث الرفع لترك الواجبات وفعل المحرّمات لا بدّ من ملاحظة ترك الواجب وفعل الحرام المكره عليهما من حيث الرتبة والأهميّة ، فإنّ الإكراه لا يكون مجوّزا للزنا بذات البعل أو لقتل النفس المحترمة ، أو لشرب الخمر في الملأ العام لمن يكون فعله معيارا للمجتمع الإسلامي ، وأمثال ذلك وهكذا في الاضطرار ، فإنّ الاضطرار إلى الازدواج لا يكون سببا لعدم اعتبار إذن وليّ المرأة ورضايتها ، وهكذا في حديث نفي الحرج .
وأمّا إذا تعلّق الإكراه بإيجاد المانع كما لو أكره على لبس الثوب النجس في الصلاة فلا إشكال في صحّة الصلاة لرفع ما هو أثر شرعيّ للمانع أي المانعيّة بالحديث .
وأمّا إذا تعلّق بترك الجزء أو ترك الشرط فقد يقال : بصحّة التمسّك بالحديث لرفع الجزئية والشرطيّة فتكون العبادة صحيحة .
والصحيح خلاف ذلك ؛ إذ ليس للترك بما هو ترك أثر شرعي كي يكون الرفع بلحاظه ، وأمّا وجوب الإعادة فليس أثرا شرعيّا للترك وإنّما هو أثر عقلي يدركه عند عدم انطباق المأمور به على المأتي به . ومن الواضح أنّ الجزئية والشرطية ليستا من آثار ترك الجزء وترك الشرط حتّى يكون الرفع عند الإكراه على تركهما بلحاظها ، وإنّما هي من آثار نفس الجزء والشرط ، والمفروض عدم تعلّق الإكراه بهما .
ومن هنا يتّضح الفرق بين ما نحن فيه وبين نسيان الجزء والشرط ، فإنّ متعلّق الإكراه هو تركهما ، ولا أثر شرعي للترك كي يتمّ الرفع بلحاظه ، وأمّا متعلّق النسيان فهو نفس الجزء والشرط بما لهما من الآثار الشرعيّة من الجزئية والشرطية .
والحاصل : أنّه لا بدّ من التماس دليل آخر لتصحيح العبادة فيما نحن فيه كحديث لا تعاد ، ولا فرق فيما ذكرناه من الأحكام بين الإكراه والاضطرار .
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 509
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٥٠٩