الجواب الثالث : ما أفاده المحقّق الخراساني قدّس سرّه « 1 » من أنّ إشكال التعارض إنّما يرد فيما إذا كانت الجهالة بمعنى عدم العلم المشترك بين خبر الفاسق والعادل ، إلّا أنّه لا يبعد دعوى كون الجهالة بمعنى السفاهة التي هي عبارة عن فعل ما لا ينبغي صدوره من العاقل ، ومعه فيختصّ التعليل بخبر الفاسق ولا يعمّ خبر العادل ؛ إذ الاعتماد على خبر الفاسق بلا تبيّن عمل سفهي لاحتمال تعمّده الكذب ، وأمّا الركون إلى خبر العادل فلا يكون سفهيا بوجه لمكان علمنا بعدم تعمّده الكذب كما عليه طريقة العقلاء .
والإشكال عليه أنّ جعل الجهالة بمعنى السفاهة خلاف المتفاهم العرفي من هذا اللفظ ، بل هي بمعنى عدم العلم بالواقع ، ويدلّ على ذلك جعل الجهالة في الآية الشريفة في مقابل التبيّن الذي هو بمعنى تحصيل العلم وإحراز الواقع ، ويؤيّده أيضا خلوّ المعاجم ومصادر اللغة عن تفسير الجهالة بالسفاهة .
ولكنّه قابل للمناقشة ؛ إذ سلّمنا أنّ الجهالة في كتب اللغة تكون في مقابل العلم ، إلّا أنّ الجهل في لسان الشارع يكون في مقابل العقل كما نرى في الأدعية الواردة في ليالي القدر وآية التوبة ، كقوله تعالى :
لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ
« 2 » إذ لا شكّ في كونها بمعنى عمل لا ينبغي أن يصدر من العاقل وإلّا يلزم أن لا تكون التوبة للعالم العامد . على أنّ التبيّن في الآية أعمّ من حصول العلم وقيام البيّنة ، فإنّها لا تكون في مقام نفي حجّية البيّنة في مورد ارتداد بني المصطلق أو عدمه فيكون للتبيّن مصداقان :
العلم وقيام البيّنة ، والجهالة في مقابلهما .
ويرد رابعا على الاستدلال بالآية الشريفة : أنّه يلزم من كون القضية ذات مفهوم خروج المورد عن عموم المفهوم ، مع أنّ خروج المورد من العموم مستهجن ؛ لأنّ انطباق العام على مورده يكون بالنصّ .
هامش
( 1 ) كفاية الأصول 2 : 86 .
( 2 ) النحل : 119 .