ويرد ثانيا على الاستدلال بالآية الشريفة من طريق مفهوم الشرط : أنّ الظاهر في نوع القضايا الشرطية أن يكون الارتباط بين الشرط والجزاء بنحو العليّة ، فلذا وقع البحث في تداخل الجزاء وعدمه في صورة تعدّد العلّة ، كما في قولنا : إذا بلت فتوضّأ ، وإذا نمت فتوضّأ .
وأمّا الجزاء في الآية الشريفة بحسب الواقع فلا يكون تبيّن ، فإنّه لا يترتّب على إخبار الفاسق بعنوان الحكم اللزومي بحيث يعدّ تاركه عاصيا ، فلا بدّ من تقدير جزاء يترتّب على الشرط المذكور في الآية ، وما تقتضيه السنخية لإخبار الفاسق أن يكون الجزاء هو عدم العمل وترتيب الأثر باخباره ، فكأنّه قال : إن جاءكم فاسق بنبأ فلا أثر له ، ولا يترتّب عليه شيء ، فيكون مفهوم الآية : إن جاءكم عادل بنبأ فله أثر ويترتّب عليه شيء . ومعلوم أنّ هذا المعنى لا يدلّ على كون خبر العادل تمام الموضوع للحجّية ، بل هو أعمّ من ذلك ومن كونه جزء الموضوع ؛ بأن يفتقر للعمل به إلى أجزاء أخرى تنضمّ إليه ، مع أنّ المدّعى كونه موضوعا مستقلّا للحجّية وأنّ له كمال الأثر ، فالمفهوم بما هو - على تقدير ثبوته - لا يثبت المدّعى .
ويرد عليه ثالثا : بعد فرض تحقّق المفهوم للقضية الشرطية وعدم كون الشرط في الآية مسوقة لبيان الموضوع وتسليم أنّ مفهوم الآية هو حجّية خبر العادل أنّ اشتمال الآية للتعليل - أعني قوله تعالى :
أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ
- مانع عن تحقّق المفهوم .
توضيح ذلك : أنّ علّة عدم اعتبار خبر الفاسق قبل التبيّن عنه هي أنّ العمل به عمل بغير علم ومظنّة للندامة ، وهذه العلّة بعينها موجودة في خبر العادل أيضا فإنّه لا يفيد العلم كما لا يخفى فيتحقّق الجهالة في مورد كليهما ، ولعلّه كان ذكر عنوان الفاسق في الآية بداعي بيان فسق الوليد ، لا لدخله في موضوع الحكم ، ففي الواقع يتحقّق للآية ظهوران : ظهورها في ثبوت مفهوم الشرط ، وظهور التعليل في أنّ وجوب التبيّن