وأمّا الإجماع المنقول فقد ينقل بالتواتر فهو ملحق بالإجماع المحصل ، وقد ينقل بالخبر الواحد كما إذا نقل العلّامة الحلّي قدّس سرّه الإجماع على حكم معيّن ، وقد وقع البحث في حجّيته ، بمعنى أنّ الإجماع المنقول بخبر الواحد هل يكون مشمولا لأدلّة حجّية الخبر الواحد أم لا ؟
ومن هنا كان المناسب تأخير هذا البحث عن مبحث حجّية الخبر الواحد لترتّبه عليه ، ولكن تعرّضنا له في المقام تبعا للعظام .
فنقول : إنّ أهمّ دليل على حجّية الخبر الواحد هو بناء العقلاء ، ومن المعلوم أنّ بناءهم لمّا كان دليلا لبّيا فلا بدّ من الأخذ بالقدر المتيقّن منه ، والقدر المتيقّن في بنائهم على الأخذ بالخبر والعمل به فيما إذا كان مشتملا على خصوصيّتين :
الأولى : أن يكون إخبارا عن حسّ ومشاهدة ، كالإخبار عن مجيء زيد من السفر ونزول المطر ، لا إخبارا عن الحدس ، إلّا أن يكون الأمر الحدسي قريبا من الحسّ كالإخبار عن سخاوة زيد وشجاعته ، وذلك لأنّ حجّية الخبر متوقّفة على ثبوت أمرين : أحدهما : عدم تعمّد الكذب ، والثاني : عدم الخطأ في النقل ، والأوّل وإن كان مدفوعا بعدالة المخبر أو وثاقته سواء كان الخبر عن حسّ أو عن حدس ، إلّا أنّ احتمال الخطأ في النقل فيما إذا كان عن حدس فممّا لا دافع له ؛ إذ لم يثبت بناء من العقلاء على عدم الاعتناء باحتمال الخطأ في الأمور الحدسية ، فأصالة عدم الخطأ التي استقرّ عليها بناء العقلاء إنّما تجري في الأمور الحسّية أو القريبة من الحسّ .
الثانية : أن يكون المنقول بالخبر أمرا متعارفا حسب العادة كما في الأمثلة السابقة ، وأمّا الإخبار عن الأمور الغريبة غير المتعارفة فلم يحرز استقرار بنائهم على الأخذ به وإن كان عن حسّ ، بل الظاهر عدم استقرار بنائهم على ذلك ، إلّا إذا انضمّت إليه قرائن وشواهد خارجيّة تؤكّد على صحّته .
فتحصّل : أنّ القدر المتيقّن هو الإخبار عن حسّ أو قريب منه عن أمر عادي
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 428
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٤٢٨