تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
والتفصّي عن الإشكال يختلف حسب اختلاف المجعول في هذه الموارد الثلاثة ، ويختصّ كلّ منها بجواب يخصّه ، فينبغي إفراد كلّ منها بالبحث . فنقول : أمّا في باب الطرق والأمارات فليس المجعول فيها حكما تكليفيّا حتّى يتوهّم التضادّ بينه وبين الحكم الواقعي ، بناء على ما هو الحقّ عندنا : من أنّ الحجّية والطريقيّة من الأحكام الوضعيّة المتأصّلة بالجعل وممّا تنالها يد الوضع والرفع ابتداء ، . . . ومنها الطريقيّة والوسطية في الإثبات ، فإنّها بنفسها ممّا تنالها يد الجعل ولو إمضاء ؛ إذ ليس فيما بأيدينا من الطرق والأمارات ما لا يعتمد عليه العقلاء في محاوراتهم وإثبات مقاصدهم ، بل هي عندهم كالعلم لا يعتنون باحتمال مخالفة الطريق للواقع . . . ولا بدّ في الأمارة من أن يكون لها جهة كشف عن الواقع كشفا ناقصا ، فللشارع تتميم كشفها ولو إمضاء بإلقاء احتمال الخلاف في عالم التشريع ، كما ألقى احتمال الخلاف في العلم في عالم التكوين ؛ فكأنّ الشارع أوجد في عالم التشريع فردا من العلم ، وجعل الطريق محرزا للواقع كالعلم ، بتتميم نقص كشفه وإحرازه ، ولذا قامت الطرق والأمارات مقام العلم المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقيّة . وإذا عرفت حقيقة المجعول في باب الطرق والأمارات وأنّ المجعول فيها نفس الوسطية في الإثبات ظهر لك أنّه ليس في باب الطرق والأمارات حكم حتّى ينافي الواقعي ليقع في إشكال التضادّ أو التصويب ، بل ليس حال الأمارة المخالفة إلّا كحال العلم المخالف ، فلا يكون في البين إلّا الحكم الواقعي فقط مطلقا أصاب الطريق الواقع أو أخطأ ، فإنّه عند الإصابة يكون المؤدّى هو الحكم الواقعي كالعلم الموافق ويوجب تنجيز الواقع وصحّة المؤاخذة عليه ، وعند الخطأ وعدم الإصابة يوجب المعذورية وعدم صحّة المؤاخذة عليه كالعلم المخالف من دون أن يكون هناك حكم آخر مجعول . هذا ملخّص كلامه قدّس سرّه . ويتحقّق في هذا الكلام ما يكون صحيحا عندنا من عدم تحقّق حكم تكليفي
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 394 | الشيخ فاضل اللنكراني