والحاصل : أنّه لا يتحقّق في الفعل المتجرّى به جهة مقبّحة ، ولا يدلّ دليل على حرمته الشرعيّة ، ولا محالة تنتفي مسألة استحقاق العقوبة .
إلى هنا تمّ البحث في باب التجرّي ، وجميع ما ذكرناه فيه يجري في باب الانقياد أيضا ، طابق النعل بالنعل .
الإرادة اختياريّة أم لا ؟
ثمّ إنّ صاحب الكفاية قدّس سرّه « 1 » قد تعرّض لمسألة الإرادة وعدم إراديّتها ، ولا بدّ لنا من ذكرها إجمالا ، ونقول : نبحث هنا عن مسائل :
الأولى : أنّه يتحقّق قاعدة كلّية وهي : أنّ كلّ فعل اختياريّ سواء كان من الأفعال الجوارحيّة أم الجوانحيّة لا بدّ وأن يكون مسبوقا بالإرادة والاختيار .
ثمّ وقع البحث في نفس الإرادة من حيث كونها اختيارية أم لا والالتزام بعدم اختياريّتها مستلزم لعدم اختيارية أساس جميع الأفعال الاختياريّة ، فلا مجال لترتّب الآثار من الثواب والعقاب عليها ؛ إذ كيف يمكن تعلّق التكليف بما كان أساسه اضطراريّا ، فلا يمكن القول بعدم اختياريّة الإرادة .
وإن قلنا : باختياريّتها تحتاج إلى إرادة أخرى ؛ إذ لا بدّ في كلّ فعل اختياري أن يكون مسبوقا بالإرادة ، وينقل الكلام إلى الإرادة الثانية وهي إن كانت اختيارية تحتاج إلى إرادة أخرى للقاعدة المذكورة ، فإن كانت هذه الإرادة هي الأولى لزم الدور ، وإن كانت إرادة ثالثة فيلزم التسلسل إلى ما لا نهاية ، بعد عدم إمكان الالتزام باضطراريّة الإرادة الثانية كالأولى ؛ إذ لا يبقى مجال لاستحقاق العقوبة على المخالفة واستحقاق المثوبة على الموافقة .
هامش
( 1 ) كفاية الأصول 2 : 14 .