تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
فإنّ دأب الشارع لا يكون إمضاء جميع ما يكون معتبرا ورائجا بين العقلاء ، فإنّا نرى في بعض الموارد تأييده منه ، وفي بعض الموارد نفيه كنفي الربا - مثلا - بخلاف الأحكام العقليّة البديهيّة ؛ إذ لا يمكن للشارع نفيها وإثباتها لاستلزام اللغوية ، والانتهاء إلى تزلزل أساس الاعتقادات مثل : إثبات الصانع ووحدانيّته ، ولزوم إطاعة قوله وأمثال ذلك ممّا يترتّب عليه . فلذا لا يصحّ القول : بأنّه لا مانع من حكم العقل والشرع معا بحجّية القطع ، نظير حكم العقل بقبح الظلم وحكم الشرع بحرمته ؛ لأنّ ما حكم به العقل في باب الظلم غير ما حكم به الشرع ، ولا يتحقّق العينيّة بينهما ، فإنّ ما حكم به العقل - أي القبح - يكون بمنزلة الملاك والعلّة للحكم الشرعي - أي الحرمة - وأمّا في باب القطع بعد إدراك العقل صحّة الاحتجاج به بإدراك الضروري فلا مجال لحكم الشرع بها . وذكر صاحب الكفاية قدّس سرّه « 1 » دليلا آخر لعدم إمكان نفي حجّية القطع من الشارع ، وهو أنّه مستلزم لاجتماع الضدّين بحسب اعتقاد القاطع في صورة عدم إصابة القطع للواقع ، وبحسب الواقع والاعتقاد في صورة الإصابة . هذا مبتن على ما ذكره قدّس سرّه في باب اجتماع الأمر والنهي من تحقّق التضادّ بين الأحكام الخمسة التكليفيّة ، وقد ذكرنا تبعا لسيّدنا الأستاذ الإمام قدّس سرّه أنّ دائرة التضاد محدودة بالأمور الواقعيّة التكوينيّة مثل : عروض السواد والبياض على جسم واحد في آن واحد ، والأحكام التكليفيّة من الأمور الاعتبارية ، فلذا قلنا في مفاد هيئة « افعل » : إنّه عبارة عن البعث الاعتباري ، وفي مفاد هيئة « لا تفعل » أنّه عبارة عن الزجر الاعتباري في مقابل البعث والزجر التكويني ، وهكذا في سائر الأحكام التكليفيّة ، ولا يتحقّق التضادّ في الأمور الاعتبارية ، والشاهد على ذلك عدم إمكان
هامش
( 1 ) كفاية الأصول 2 : 8 .