وبطلانها في طرف النفي بأنّ إيجاد الطبيعة إن كان بوجود فرد ما لا محالة يكون انعدامها بانعدام فرد ما ، فلذا لا مانع من اجتماع أمور متضادّة من الوجود والعدم في آن واحد في الطبيعة بلحاظ الأفراد الموجودة والمعدومة في الخارج ، كما أنّ طبيعة الجسم تتّصف بالسواد والبياض في آن واحد بلحاظ الأفراد ، فلا دلالة للنكرة في سياق النفي على العموم عقلا .
إن قلت : لا شكّ بيننا وبين وجداننا في استفادة انتفاء جميع الأفراد من جملة لا رجل في الدار .
قلت : سلّمنا ولكنّه مفاد عرفي لها لا عقلي ؛ إذ العرف يحكم بأنّ الطبيعة لا تنعدم إلّا بانعدام جميع الأفراد ، فتكون مستند دلالتها عليه القاعدة العرفيّة ، ولا يكون معناه التبادر عند العرف حتّى يرجع إلى الدلالة اللفظية الوضعية .
لا يخفى أنّ دلالة النكرة الواقعة في سياق النفي أو النهي على العموم يتوقّف على الإطلاق وجريان مقدّمات الحكمة ، بخلاف ألفاظ العموم ؛ إذ القاعدة المذكورة سواء كانت عقليّة أم عرفيّة لا يتعيّن الموضوع فإنّها بمنزلة الكبرى والموضوع بمنزلة الصغرى ، ولا يمكن تعيين الصغرى بواسطة الكبرى ، بل لا بدّ من أخذه من الخارج ، فلذا نحتاج إلى جريان مقدّمات الحكمة لإحراز أنّ المقصود من الرجل مطلق الرجل أو الرجل المقيّد بالعلم ، ولا طريق لنا سوى ذلك .
والفرق بين ما نحن فيه ومثل : أكرم كلّ عالم أنّه لا يتحقّق في عالم اللفظ هنا إلّا الطبيعة ونفيها بدون أي نظارة إلى الأفراد والكثرة ، فيدلّ لا رجل في الدار على نفي وجود الطبيعة فيها ، والقاعدة تحكم بأنّه إذا كانت الطبيعة منتفية فانتفائها متوقّف على انتفاء جميع الأفراد ، فلا بدّ لنا من جريان مقدّمات الحكمة لإحراز إطلاق الطبيعة في مورد الشكّ . بخلاف أكرم كلّ عالم فإنّ لفظ الكلّ هنا يدلّ من ابتداء الأمر على الأفراد والكثرة ، ولا يكون من الطبيعة أثر ولا خبر ، حتّى نحتاج إلى مقدّمات الحكمة
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 164
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص١٦٤