والجواب عن دليله الأوّل : أنّ أصل هذا الكلام صحيح ، ولكنّ العلّة فيه ليست الاتحاد والهوهويّة ، بل الدليل أنّ المعاني في مقام التفهيم والتفهّم مقصودة بالأصالة ، والألفاظ آلة محضة لإبراز المعاني ، ومقصودة بالتبع ، فلذا يكون إلقاء اللفظ للمخاطب إلقاء للمعنى بلا توجّه منه إلى اللفظ .
وأمّا الجواب عن دليله الثاني : أنّ هذا الدليل لو تأمّل فيه دليل على المباينة بين اللفظ والمعنى ؛ إذ لا شك ولا ريب في أنّ كلّ قسم من أقسام المقسم قسيم للآخر ومباين له ، كمباينة البقر والبشر من أقسام الحيوان ، فيكون الوجود اللفظي للمعنى مباينا لوجوده الحقيقي كمباينته لوجوده الذهني ، فكيف يكون الاتحاد والهوهويّة بين اللفظ والمعنى مع مباينة وجوده اللفظي مع وجوده الحقيقي ؟ ! ومن البديهي أنّه لو كان بين « زيد » و « قائم » اتّحاد وهوهويّة وهكذا بين « زيد » و « عالم » لزم الاتحاد والهوهويّة بين « القائم » و « العالم » ، فلك أن تقول : العالم قائم ، وهكذا في عالم الاعتبار إذا اعتبر الاتحاد والهوهويّة بين شيئين يعتبر لوازمها أيضا ، وإذا اعتبر بين اللفظ والمعنى اتحاد وهوهويّة فلا معنى للمباينة بين وجوده اللفظي ووجوده الحقيقي ، بل تنفى نفس هذه المسألة الاتحاد هاهنا . هذا .
ولا يخفى أنّ أصل هذا التقسيم أيضا كان نوعا من المسامحة ؛ إذ لا معنى للوجود اللفظي حقيقة وواقعا ، فهذا التفسير لحقيقة الوضع غير تام .
القول الرابع في المسألة عن بعض الأعلام على ما في كتاب المحاضرات « 1 » ، ومحصّل كلامه : أنّ حقيقة الوضع عبارة عن التعهّد بإبراز المعنى الذي تعلّق قصد المتكلّم بتفهيمه بلفظ مخصوص ، فكلّ واحد من الأفراد من أهل أيّ لغة كان متعهّدا في نفسه ، بأنّه متى أراد تفهيم معنى خاص أن يجعل مبرزه لفظا مخصوصا ، مثلا : التزم كلّ واحد من أفراد الامّة العربيّة بأنّه متى قصد تفهيم جسم سيّال بارد بالطبع أن
هامش
( 1 ) محاضرات في أصول الفقه 1 : 44 - 49 .