تنوين التنكير هاهنا يدلّ على الوحدة والبدلية ، ويكون كقولنا : أكرم العالم العادل من جهة تعدّد الدال والمدلول . فبالنتيجة ليس للإطلاق نوعان ومعنيان . هذا تمام الكلام في الوجه الأوّل من استدلال الشيخ الأنصاري قدّس سرّه لرجوع القيد إلى المادّة .
الوجه الثاني في كلامه قدّس سرّه : أنّ تقييد الهيئة يوجب بطلان محلّ الإطلاق في المادّة ويرتفع به مورده بخلاف العكس ، وكلّما دار الأمر بين تقييدين كذلك كان التقييد الذي لا يوجب بطلان الآخر أولى ، أمّا الصغرى فلأجل أنّه لا يبقى مع تقييد الهيئة محلّ حاجة وبيان لإطلاق المادّة ؛ لأنّها لا محالة لا تنفكّ عن وجود قيد الهيئة ، فإنّ وجوب الإكرام - مثلا - إذا قيّد بمجيء زيد فلا يبقى للمادّة - وهي الإكرام - إطلاق ؛ إذ الإكرام قبل المجيء ليس بواجب ، فدائرة الواجب تتضيّق قهرا بتقيّد الوجوب ، بخلاف تقييد المادّة فإنّ محلّ الحاجة إلى إطلاق الهيئة على حاله ، فيمكن الحكم بالوجوب على تقدير وجود القيد وعدمه ، أي قبل تحقّق المجيء وبعده . وأمّا الكبرى فلأنّ التقييد وإن لم يكن مجازا إلّا أنّه خلاف الأصل ، ولا فرق في الحقيقة بين تقييد الإطلاق وبين أن يعمل عملا يشترك مع التقييد في الأثر وبطلان العمل بالإطلاق . والحاصل : أنّ تقييد الهيئة يستلزم ارتكاب خلافي الظاهر ، وتقييد المادّة يستلزم ارتكاب خلاف ظاهر واحد ، فلا ريب في تقدّم الثاني على الأوّل .
والجواب عنه : ما يستفاد من ذيل كلام المحقّق الخراساني قدّس سرّه من أنّ القيد إمّا متّصل ، وإمّا منفصل ، فإن كان متّصلا - كما في مثل إن جاءك زيد فأكرمه - فلا ينعقد إطلاق لا للهيئة ولا للمادّة ؛ لاحتفافهما بما يصلح للقرينية ، وقد قرّر في محلّه أنّ البيان وكذا نصب القرينة لتقييد المراد مانع عن جريان مقدّمات الحكمة ، فلا مجال للإطلاق والتقييد في قيد المتّصل أصلا ، كما أنّه لا مجال لهما في قول المولى : اعتق رقبة مؤمنة .
ويمكن أن يقال : إنّه لا يجوز المقايسة بين ما نحن فيه وهذا المثال ؛ إذ لا شكّ هاهنا في رجوع قيد الإيمان إلى الرقبة ، بخلاف مثل : إن جاءك زيد فأكرمه ؛ إذ يحتمل
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 613
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٦١٣