غدا وإرادة إتيان صلاة المغرب ، ومعلوم أنّ تحقّقه يتوقّف على مضي الزمان ، مع أنّ تحقّق حقيقة الإرادة في كلا الموردين لا يكون قابلا للإنكار وجدانا . وهكذا في الإرادة التشريعية إذا لاحظنا أوامر الآباء بالنسبة إلى الأبناء وأوامر الموالي بالنسبة إلى العبيد فنرى أنّ المبعوث إليه قد يكون أمرا فعليا ، وقد يكون أمرا استقباليا كقولنا : « سافر غدا » و « أدخل السوق » و « اشتر اللحم ساعة أخرى » ، والوجدان أقوى شاهد بعدم استحالة هذه الأوامر ؛ بأن يكون الوجوب فعليا ومطلقا والواجب استقباليا ومقيّدا بمعنى زمان خاصّ ، فيكون الواجب المعلّق من حيث الإمكان مسألة وجدانية .
وما قال به المحقّق الاصفهاني قدّس سرّه من استحالته ينقسم إلى قسمين : قسم منه يرتبط بالإرادة التكوينية ، وقسم آخر بالإرادة التشريعية ، ويعتقد بأنّه يمتنع تعلّق الإرادة التكوينية بالأمر الاستقبالي ، ومنشأ كلامه عبارة عن تعريف المشهور للإرادة من أنّ الإرادة هو الشوق المؤكّد المحرّك للعضلات نحو المراد .
وتفصيل كلامه بتصرّف منّا : أنّ النفس في وحدتها كلّ القوى ، فهي مع وحدتها ذات منازل ودرجات ، وكلّ منها باسم خاصّ ، منها القوّة العاقلة التي تدرك في الفعل فائدة عائدة إلى جوهر ذاتها أو إلى قوّة من قواها . ومنها ما يعبّر بالقوّة الشوقية وهي مرتبة ينبعث للنفس شوق إلى ذلك الفعل ، وهذه القوّة أيضا ذات مراتب ودرجات من حيث النقص والكمال ، فإذا لم يجد مزاحما ومانعا يخرج ذلك الشوق من حدّ النقصان إلى حدّ الكمال الذي عبّر عنه تارة بالإجماع وأخرى بتصميم العزم وثالثة بالقصد والإرادة ، فينبعث من هذا الشوق البالغ حدّ نصاب الباعثية تحريك وهيجان في مرتبة القوّة العاملة المنبثّة في العضلات ، فيحصل منها حركة في مرتبة العضلات .
ومن الواضح أنّ الشوق وإن أمكن تعلّقه بأمر استقبالي إلّا أنّ الإرادة ليس نفس الشوق بأيّة مرتبة كان ، بل الشوق البالغ حدّ النصاب بحيث صارت القوّة
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 598
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٥٩٨