المكلّف على الامتثال في ظرف الامتثال لا في حال التكليف ، وإذا قال المولى : يجب عليك أن تسافر غدا فلا شكّ في فعلية التكليف بمجرّد صدور الحكم عنه ، ومعلوم أنّ القدرة المضاف إلى الغد لا يتحقّق حينئذ ، فالتكليف المشروط يتحقّق فعلا بدون شرط .
وتقريب الجواب : أنّ الأمر يكون من الأفعال الاختيارية لفاعل المختار فيكون مسبوقا بالإرادة وهي تحتاج إلى المبادئ ، ومن مبادئها تصوّر الشيء والتصديق بفائدته ، أي الاعتقاد بفائدة المراد لا فائدته الواقعية . ومعلوم أنّ التصوّر والتصديق والعزم والجزم وسائر مبادئ الإرادة بأجمعها ترتبط بالنفس ، وتوجد كأصل وجود الذهني بخلّاقية نفس الإنسان بعناية من اللّه تعالى ، وإن كان لصاحب الكفاية قدّس سرّه في مسألة الإرادة مقالة غير قابلة للالتزام به ، ولكن أصل نفسانية الإرادة مع مبادئها محطّ الاستدلال هاهنا فأمر المولى في المثال يدور مدار اعتقاده بقدرة المكلّف على الامتثال وعدمه ، ويحكم بالمسافرة في صورة تحقّقه ، ولا يدور مدار القدرة الواقعية وعدمها ، فما هو مأخوذ في التكليف بعنوان الشرط مقارن له من حيث الزمان وهو لحاظ المتقدّم والمتأخّر ، وما هو متقدّم عليه أو متأخّر عنه غير مأخوذ فيه بعنوان الشرط وهو وجودهما الواقعي والخارجي ، فلا انخرام للقاعدة .
ولكنّ التحقيق أنّ التكليف الذي جعل مضافا إليه الشرط قد يكون بمعنى المصدري ويعبّر عنه بالإيجاب وهو مسبوق بالإرادة ومبادئها كسائر الأعمال الاختيارية للإنسان ، وقد يكون بمعنى الاسم المصدري ويعبّر عنه بالوجوب ، وربما لا يكون الشيء شرطا للايجاب بدون الوجوب ، والأوّل مرحلة الإنشاء ، والثاني مرحلة الفعلية ، مثل قول المولى : إن جاءك زيد فأكرمه ، ومن البديهي أنّ المولى بعد تصوّر الشرط والمشروط والتصديق بالفائدة وسائر المبادئ أنشأ وأوجب الإكرام فعلا ، ولكن فعلية هذا الحكم التعليقي الإنشائي متوقّف على تحقّق مجيء « زيد » في
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 568
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٥٦٨