الثالث : أن تدلّ الأمارة أو الأصل على تحقّق تكليف معيّن للمكلّف في وقت معيّن ثمّ انكشف الخلاف بعد إتيان المكلّف بتكليف المذكور مثل دلالة حديث صحيح على وجوب صلاة الجمعة في يوم الجمعة ، أو جريان الاستصحاب عليه ، وبعد إتيان المكلّف بها مدّة مديدة انكشف عدم وجوبها أصلا حتّى على سبيل التخيير ، وأنّ الواجب التعييني في هذا اليوم عبارة عن صلاة الظهر .
لا يخفى أنّ هذا الفرض على القول بوحدة الأمر خارج عن محلّ النزاع ، فإنّه لم يأت بما هو التكليف والمأمور به ، بل أتى بغير المأمور به ، ومحلّ البحث في هذه المسألة - كما مرّ في عنوان البحث - عبارة عن إتيان المأمور به على وجهه هل يقتضي الإجزاء أم لا ؟ فلا شكّ في خروج هذا الفرض عن محلّ النزاع .
وأمّا على القول بتعدّد الأمر وجعل حكم آخر مطابقا لمفاد الأمارة أو الأصل الدالّة على وجوب صلاة الجمعة ، فيقع هذا الفرض أيضا في محلّ النزاع . ولكن البحث من حيث الإجزاء وعدمه قد يقع في الأمارات وقد يقع في الأصول ، وفي الأمارات أيضا قد يقع على القول بالطريقية وقد يقع على القول بالسببية . ومعنى الطريقية أنّ الأمارة من حيث هي ليست فيها مصلحة إلّا الهداية إلى الواقع ؛ إذ الاتّكاء بالقطع فقط في أمور المعاش والمعاد يوجب اختلال النظام ، بل لا يمكن تحصيل القطع في بعض الموارد ، فلذا اعتبر العقلاء الأمارة طريقا ظنّيا إلى الواقع في موارد عدم إمكان تحصيل القطع . ومعنى السببية على ما هو المعقول وخاليا عن الإشكال عبارة من أنّ تصديق عملي عادل تتحقّق فيه المصلحة التي توجب جبران المصلحة الواقعية الفائتة على فرض مخالفة الأمارة للواقع وكأنّه لم يفوت شيئا .
ونبحث الآن على مبنى الطريقية والكاشفية ويتحقّق على هذا المبنى بحث آخر وهو أنّ حجّية الأمارة عند الشارع هل يكون بنحو الإمضاء والتأكيد أو بنحو التأسيس ؟ ويمكن أن يكون بين الأمارات من هذه الجهة اختلافا . ومعنى الحجّية
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 527
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٥٢٧