تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 495

مساهمون:

ص٤٩٥
أوّلا : أنّه لا شكّ في كون المستحبّات كالواجبات خيرا ، وهكذا في سببيّتها للمغفرة ، بل تكون سببيّتها للمغفرة أولى من بعض الواجبات ، فلا يمكن خروج المستحبّات بحسب الدلالة اللفظية عن الآيتين ، فكيف يمكن الالتزام بوجوب الاستباق إليها مع أنّ نفسها من العناوين المستحبّة ؟ ! وثانيا : أنّ الفورية والاستباق في أكثر الواجبات أيضا ليس بواجب كالصلاة والزكاة - مثلا - وأمّا الواجبات المضيّقة - كالصوم - فلا معنى للفورية فيها ، فيبقى تحت الآيتين عدّة من الواجبات كالحجّ والجهاد في سبيل اللّه خصوصا إن كان دفاعيا ، وعلى هذا إن حملنا الآيتين مع عمومهما على الوجوب يلزم تخصيص الأكثر وهو مستهجن ، مع أنّ لحن الآيتين وسياقهما آب عن التخصيص ، ولا يكون قابلا له ، فلا محالة يتعيّن القول بعدم دلالة الآيتين على الوجوب ؛ لدفع هذه المحذورات ، وإن تدلّان من حيث الهيئة على الوجوب . واستشكل على الاستدلال بآية
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ *
بأنّه سلّمنا أنّ هيئة الأمر وضعت للبعث والتحريك الوجوبي ، إلّا أنّ هاهنا قرينة عقليّة تمنع من حملها عليه ؛ إذ الاستباق والتقدّم تكون بالنسبة إلى الخيرات لا بالنسبة إلى المكلّفين ، فكأنّه يقول : قدّموا بعض الخيرات على بعض ، والملاك في التقديم عبارة عن نفس الاتصاف بالخيرية ونفس انطباق عنوان الخير ، ولم يلاحظ في الآية إلى المراتب الشديدة والضعيفة ، وليس ملاك الاستباق كون الخير في المرتبة القويّة ، بل الملاك نفس الاشتراك في الخيرية . وأمّا في مقام العمل فلا محالة يتحقّق التقدّم والتأخّر ؛ إذ المفروض عدم إمكان الجمع بين جميع الخيرات في آن واحد ، وإذا كان الأمر كذلك فنسأل الآن أنّ ما مزيّة المتقدّم على المتأخّر وما نقص المتأخّر بالنسبة إلى المتقدّم ؟ مع أنّهما مشتركان في أصل الملاك ، وصدق عنوان الخيرية عليهما سواء ، وعلى هذا إن حملنا الهيئة في الآية على