الاختصاصي عن الآية الأولى فهو أنّ وجوب المسارعة في الآية لا ينحصر بسبب المغفرة ؛ إذ يقول اللّه تعالى في ذيل الآية :
وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ
والظاهر أنّ المعطوف مغاير مع المعطوف عليه ، وبعد أن لا يكون لنا تكليف بعنوان المسارعة إلى الجنّة في مقابل سائر التكاليف الإلهية نستفاد أنّ الأمر في الآية إرشادي ولا يدلّ على الوجوب ، ولا يعقل أن يكون الأمر بالنسبة إلى المعطوف عليه مولويّا وبالنسبة إلى المعطوف إرشاديا ، فلا محالة يحمل الأمر بالسرعة في كلتا الجملتين على الإرشادي .
وأمّا الجواب المشترك بين الآيتين فهو يجري في الآية الأولى ؛ بأنّ هيئة « سارعوا » تكون من باب المفاعلة ، ويتعلّق اللحاظ فيه بالطرفين ، فأوجب اللّه تعالى بالآية المسارعة والمسابقة إلى فعل المأمور به بين المكلّفين ، وهذا المعنى لا يجري في الواجبات العينية كالصلاة والصوم والحجّ وأمثال ذلك ؛ إذ الواجب فيها إتيان كلّ واحد من المكلّفين وظيفته بلا دخل له بوظيفة سائر المكلّفين ، ولا معنى للمسارعة لكلّ واحد منهم على الآخر بالنسبة إلى وظيفته ، وحركة المتديّنين سريعا في أوّل الوقت إلى المساجد تكون لدرك فضيلة الجماعة وأوّل الوقت لا لمسابقة بعضهم مع البعض الآخر .
وإنّما يجري هذا الاستدلال في الواجبات الكفائية فقط ، فإنّ غرض المولى فيها يتحقّق بعمل شخص واحد ، فإن خالف الجميع يكون مستحقّا للعقوبة ، وإن وافق أحد منهم يصدق عليه عنوان المطيع ويستحقّ المثوبة ، ولا يصدق على سائر المكلّفين عنوان العاصي ولا عنوان المطيع ولا يستحقّون المثوبة ولا العقوبة ، فيصدق هاهنا عنوان المسارعة . وهكذا في آية :
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ *
إلّا أنّ السبق واللحوق يستفاد من مادّة السبق لا من هيئته ، فالاستدلال بها يصحّ في الواجبات الكفائية فقط لا العينية ، ولا معنى للسبق إلى الصلاة والصوم وأمثال ذلك .