الأحكام والمتعلّقات يمكن أن يكون السفر - مثلا - موردا لأمر الوالد ونهي الوالدة في آن واحد ، فاجتماع العرضين المتضادّين في معروض واحد وآن واحد مستحيل ولو من ناحية الشخصين ، بخلاف الأحكام .
ومن أدلّة القائلين باستحالة الذاتيّة لزوم الدور في المسألة ، وتقريب ذلك أنّه لا شكّ في توقّف قصد الأمر على الأمر ؛ إذ لا معنى لتحقّق قصد الأمر الخارجي والحقيقي بدون الأمر ، وهكذا لا شكّ في توقّف وجوب المكلّف به على قدرة المكلّف ، فالأمر متوقّف بالقدرة على المتعلّق ، والقدرة على المتعلّق متوقّف على الأمر بعد فرض أخذ قصد الأمر في المتعلّق ، وهذا دور مستحيل بالذات .
أقول : في مقام الجواب عن هذا أوّلا : إنّ اعتبار القدرة على المأمور به في ظرف تحقّق الامتثال كاف كان في زمان الأمر وظرف التكليف مقدورا أم لا ، والعقل لا يحكم أزيد من ذلك . وثانيا : أنّ العقل يحكم بوجود القدرة وإن كانت من نفس الأمر ، كما إذا أمر أحد من المراجع - مثلا - شخصا بمسافرة إلى مكّة وهو لا يستطع على ذلك ، ولكن بواسطة هذا الأمر جهّزه المتديّنون بالزاد والراحلة ، وهذا كاف في تحقق القدرة ، فنحن سلّمنا أنّه لا يعقل تحقّق قصد الأمر بدون الأمر في الخارج ، ولكن الأمر لا يتوقّف بالقدرة على المتعلّق قبله ؛ إذ لا مانع من تحقّق القدرة بعد الأمر أيضا .
ومن أدلّتهم أيضا اجتماع اللحاظين الاستقلالي والآلي في آن واحد في شيء واحد ، توضيح ذلك : أنّه لا بدّ للمولى حين الأمر من لحاظ الأمر والمأمور به ، ومن المعلوم أنّ لحاظ الأمر يكون لحاظا آليّا ؛ لأنّه وسيلة لتحقّق المأمور به ، وأمّا لحاظ المأمور به بجميع الأوصاف والخصوصيّات يكون لحاظا استقلاليّا ، فإذا كان قصد الأمر داخلا في المتعلّق لا بدّ من ملاحظة المضاف والمضاف إليه مستقلّا ، فالأمر تعلّق به لحاظان : لحاظ آلي ولحاظ استقلالي ، والجمع بين اللحاظين في آن واحد مستحيل
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 434
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٤٣٤