بحيث إن أمكن الاطلاع عليه بدون التكلّم لا يحتاج إلى الألفاظ والأصوات واللسان ، وإنّما جعل اللسان على الفؤاد دليلا ، فهو أيضا لا يدلّ على تحقّق الكلام النفسي .
وقد مرّ أنّ الأساس لإثبات الكلام النفسي هو إطلاق المتكلّم على الباري تعالى ، فإنّ الأشاعرة لاحظت أنّ إطلاق المتكلّم عليه تعالى في الإطلاقات والاستعمالات شائع بين المتشرعة ، ولاحظت أيضا أنّ في صدق المشتق لا بدّ من تحقّق الارتباط بين المبدأ والذات ، فقد مرّ في بحث المشتق أنّ العلماء اختلفوا في كيفيّة هذا الارتباط ، وقالت الأشاعرة : إنّه لا بدّ من كون المبدأ قائما بالذات بالقيام الحلولي ، ولاحظت هذا المعنى في قولنا : الجسم أبيض أو أسود ، فإنّ البياض أو السواد قائمان بالجسم بالقيام الحلولي ، وهما حالان في الجسمي والجسم محلّ لهما ، ثمّ فرضت هذا المعنى بعنوان الضابطة الكلية في جميع المشتقات . ثمّ قالت تجري هذه القاعدة في إطلاق المتكلّم المشتق على اللّه تعالى ، ولا بدّ أن يكون بين الكلام وذات الباري ارتباطا بنحو القيام الحلولي ، فحينئذ لا يعقل أن يكون الكلام اللفظي مع كونه من الأمور المتصرّم والمتدرج والحادث حالّا في ذات الباري فلا بدّ من الالتزام بالكلام النفسي الذي هو حالّ في ذات الباري وقديم بقدمه . هذا محصّل ما قالت به الأشاعرة في تحقّق الكلام النفسي لذات الباري .
وفيه : أنّ مبني الأشاعرة لا دليل عليه ، مع أنّه مناف لأكثر المشتقات ، ولا تجري هذه الضابطة المسلّمة عندهم في أكثرها ، ولا ينحصر المشتق بما يجري فيه هذا المعنى كالأبيض والأسود وأمثال ذلك ؛ إذ لا شكّ في أنّ الضارب والقاتل يكونان من المشتقات ، مع أنّ مبدئهما - أي الضرب والقتل - قائمان بالذات بالقيام الصدوري لا الحلولي ، وهكذا أمثالهما . وأوضح من ذلك أنّه لا شك في أنّ إطلاق المالك على « زيد » يكون بنحو الحقيقة ، مع أنّ الملكيّة أمر اعتباري اعتبرها الشارع والعقلاء ،
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 400
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٤٠٠