وأمّا الواقعيّة النفسانيّة الأخرى - يعنى واقعيّة الإرادة - فهي أيضا لا تكون كلاما نفسيّا ، وتدلّ عليه أدلّة متعدّدة . منها : تصريح الأشاعرة بأنّ كلام النفس مغاير مع الإرادة . ومنها : أنّ منشأ الإدارة في الجمل الخبريّة عبارة عن أنّ التكلّم فعل من أفعاله الاختيارية ، وكلّ فعل اختياري مسبوق بالإدارة ، فالتكلّم مسبوق بالإرادة .
ومن المعلوم أنّ هذا المنشأ يتحقّق في الخياطة والتجارة والكتابة أيضا ، فيكون الكلام النفسي في التاجر والخياط والكاتب أيضا متحقّقا حين الشروع ، مع أنّهم قائلون بانحصار الكلام النفسي في الجمل الخبرية والإنشائية . وعلى أنّ الإرادة مسبوقة بالمبادئ ، وأوّل المبادئ التصوّر وهو قسم من العلم ؛ إذ العلم إن كان إذعانا للنسبة فتصوّر وإلّا فتصديق ، وقد مرّ آنفا أنّهم صرّحوا بأنّ الكلام النفسي مغاير مع العلم وزائد عليه ، فلا تكون الواقعيّات المتحقّقة المذكورة كلاما نفسيّا ، ولا ضرورة تقتضي الالتزام بتحقق الكلام النفسي في الجمل الخبرية ، ولا نقص فيها حتى ينجبر بالتزام تحقّق الواقعيّة المجهولة باسم الكلام النفسي .
وأمّا في الجمل الإنشائية الطلبية كان للكلام النفسي عندهم اصطلاح خاص وهو الطلب ، فاستدلّ هاهنا بصورة السؤال عن المعتزلة بأنّ المولى إذا قال لعبده :
« جئني بالماء » فما هي الصفة النفسانيّة المتحقّقة في الجمل الإنشائية الطلبيّة ؟ فلا محالة تقول المعتزلة : هي عبارة عن الإرادة المتعلّقة بتحقّق المأمور به في الخارج عن المكلّف .
والجواب عنه : أنّ الجمل الإنشائيّة الطلبيّة قد تتحقّق بدون أن يكون إرادة المولى متعلّقة بتحقق المأمور به في الخارج كما في الأوامر الاختياريّة ؛ إذ لا شكّ في تحقق الأمر فيها ، ويكون إطلاق الأمر عليها على نحو الحقيقة لا على سبيل التجوّز والمسامحة ، ومع ذلك لا يتحقّق فيها الإرادة النفسانيّة المذكورة . وهكذا في الأوامر الاعتذارية ؛ إذ لا يريد فيها تحقّق المأمور به ، بل المراد رفع لوم الناس في ضرب
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 398
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٣٩٨