إيجاده تعالى الأصوات في الحصاة وشهادته برسالة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حين هبوطه على جبل حراء ، فلا فرق بين كلامه تعالى وكلام الإنسان من حيث الماهيّة والكيفيّة ، وهذا موافق لنظر المتكلّمين من الإماميّة ، فتكون صفة التكلّم على هذا القول من صفاته الفعليّة ومن الأمور الحادثة .
وذهبت الأشاعرة إلى أنّ كلامه تعالى من الصفات الذاتيّة ، وقائم بذاته الواجبة وقديم بقدمه تعالى ، مثل العلم والحياة والقدرة وأمثال ذلك ، ولأجل ذلك قد اضطرّوا إلى الالتزام بأنّه كانت لذاته تعالى صفة وواقعيّة باسم الكلام النفسي ما وراء الكلام اللفظي ، فالقرآن هو الكلام النفسي القائم بالذات بالقيام الحلولي . فكما أنّه يطلق العالم عليه تعالى مع كونه من صفاته الذاتيّة والقديمة كذلك يطلق على الإنسان ، مع أنّ علمه محدود وحادث ، وهكذا القادر ونحوه ، ويجري هذا المعنى بعينه في الكلام النفسي ، فإنّه إذا لوحظ بالنسبة إلى ذات الباري فيتحقق فيه ويكون من الأوصاف الذاتيّة والقديمة ، وأمّا إذا لوحظ إلى الإنسان والجمل الخبريّة مثل « جاء زيد من السفر » فيتحقق وراء الألفاظ ، وعلم المتكلّم بالمعنى المذكور أمرا نفسانيّا آخر الذي نعبّر عنه بالكلام النفسي ، وهكذا في الجمل الإنشائيّة إلّا أنّها إذا اشتملت على الأمر يكون للكلام النفسي المتحقّق فيها اسم خاصّ وهو الطلب ، وإذا اشتملت على النهي وكانت ماهيّة النهي عبارة عن الزجر لا الطلب الترك يكون للكلام النفسي المتحقّق فيها اسم خاص آخر وهو الزجر ، وأمّا الجمل الإنشائيّة المشتملة على العقود والإيقاعات والتمنّي والترجّي لا يكون للكلام النفسي المتحقق فيها اسم خاص .
وحكى الإمام قدّس سرّه في رسالة الطلب والإرادة عن بعض أهل التحقيق : أنّ إطلاق المتكلّم على اللّه تعالى يكون بنحو إطلاقه على الإنسان ، بلا فرق بينهما أصلا ، إلّا أنّ الإنسان يتكلّم بالفم واللسان ، وهو تعالى يوجد الكلام من دون آلة ومن دون واسطة ، ويؤيّده تكلّمه تعالى مع موسى بقوله :
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى * قالَ هِيَ