عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى * قالَ أَلْقِها يا مُوسى
« 1 » .
ثمّ إنّ الإمام قدّس سرّه بعد نفي هذه الأقوال اختار في المسألة قولا آخر ، ومحصّله : أنّ كلام اللّه سبحانه عبارة عن الوحي ، فإنّ إنزال القرآن وسائر الكتب إلى الأنبياء والمرسلين عليهم السّلام لا يكون بصورة إيجاد الكلام في شيء آخر قطعا ، كما أنّه لا يكون بصورة تكلّمه تعالى مع موسى عليه السّلام أيضا ولا بما ذهب إليه الأشاعرة ؛ إذ القيام الحلولي مستلزم للقوّة والنقص والتركيب تعالى عنه ، كما أنّ خلوّ الذات عن صفات الكمال مستلزم لذلك . نعم أنّه تعالى متكلّم بوجه آخر حتى في مرتبة ذاته يعرفه الراسخون في الحكمة ، فكلامه تعالى عبارة عن الوحي ، وأمّا حقيقة الوحي وكيفيّته ممّا لم يصل إليها فكر البشر إلّا الأوحدي الراسخ في العلم بقوّة البرهان المشفوع إلى الرياضات ونور الإيمان ، وقد أشار إلى بعض أسراها قوله تعالى :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ
« 2 » وقوله تعالى :
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى * ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى * فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى * فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى * ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى
« 3 » . وأفهام أصحاب الكلام من المعتزلة والأشاعرة بعيدة عن طور هذا الكلام والإعراض عنه أولى .
فالتحقيق أنّ الحق مع الإمام قدّس سرّه .
ولكن لا بدّ لنا من ذكر محلّ النزاع بين الأشاعرة والمعتزلة قبل بيان استدلالهما في المقام ؛ لدفع ما ذكره صاحب الكفاية قدّس سرّه بعنوان محلّ النزاع والمصالحة بينهما ، ومحصّل كلامه : أنّ الحقّ هو اتحاد الطلب والإرادة ، بمعنى أنّ لفظيهما موضوعان بإزاء مفهوم
هامش
( 1 ) طه : 17 - 19 .
( 2 ) الشعراء : 193 - 194 .
( 3 ) النجم : 4 - 11 .