وقال بعض : إنّ أحد الأمرين على سبيل منع الخلو إمّا علوّ الطالب واقعا ، وإمّا استعلائه كاف في صدق الأمر ، واستدلّ لكفاية الاستعلاء في صدقه بأنّ العقلاء يقبّحون السافل المستعلى الذي يأمر العالي ، ويذمّونه بأنّك لم تأمر العالي ، فإطلاقهم الأمر على طلب السافل المستعلى يدلّ على كفاية استعلاء الطالب في صدق الأمر وعدم اعتبار العلو الواقعي فيه ، وإلّا يذمّونه بأنّك لم تستعلى على العالي .
والجواب عنه : أنّ التقبيح إنّما هو على استعلائه على العالي لا على أمره حتى يقال : إنّ التقبيح على هذا الأمر يكشف عن عدم اعتبار العلوّ الواقعي في صدقه ، وإطلاق الأمر على طلبه في مقام توبيخه إنّما هو بحسب مقتضى استعلائه ؛ فإنّه يعلم أنّ للعلو دخل في الأمر ، ويعلم أيضا أنّه فاقد لذلك ، فلذا يأمر السافل اتكاء على العلو الادّعائي والتخيلي ، فيكون إطلاق الأمر على طلب المستعلى السافل مجازا ؛ لمناسبته صورة الأمر الحقيقي ، فلا يكفي الاستعلاء بدون العلو في صدق الأمر .
الجهة الثالثة : في أنّ مفاد الأمر عبارة عن خصوص الطلب الوجوبي أو أعمّ منه ؟
حكى صاحب الكفاية قدّس سرّه « 1 » أدلّة عن القائلين بالأعم وأجاب عنها ، والمهم منها أنّ تقسيم الأمر إلى الإيجاب والاستحباب بقولهم : الأمر إمّا للوجوب وإمّا للاستحباب يدلّ على كون الموضوع له هو الأعمّ ؛ إذ لا بدّ في صحة تقسيم من وجود المقسم في جميع الأقسام ، فكما أنّ الأمر يطلق على الطلب الوجوبي على نحو الحقيقة كذلك يطلق على الطلب الاستحبابي على نحو الحقيقة .
والجواب عنه : أنّ التقسيم المذكور لا يدلّ على أزيد من استعمال الأمر المقسم في المعنى الأعمّ ، وأمّا دلالته على المدّعى - وهو كون هذا الاستعمال على نحو الحقيقة -
هامش
( 1 ) كفاية الأصول 1 : 92 .