مقدّمتين :
الأولى : في أنّ الماهيات في وعاء تقررها متقدّمة على الوجود ، ولا يكون وعاء تقررها في عرض تحقّق الوجود ، بل هي بعنوان الموصوف متقدّمة من حيث الرتبة على الوجود ، ويشهد عليه قولهم : بأنّ الماهيّة من حيث هي ليست إلّا هي لا موجودة ولا معدودة ، يعني : لا ارتباط بينها وبين الوجود والعدم في وعاء تقرّرها ، بل الوجود والعدم يعرضان لها بعنوان الوصف . فلذا يقال : الماهيّة قد تكون موجودة وقد تكون معدومة ، أو يقال : الماهية موجودة ، ولا يقال : الوجود ماهية ، فالماهيّة متقدّمة على الوجود كتقدّم الجسم على الأعراض ، فكما أنّ لوازم الماهية متأخّرة عنها - نحو تأخّر الزوجية عن الأربعة - فكذلك الوجود متأخّر عنها ، بل تأخّره أظهر منه ؛ لأنّه قابل للانفكاك عنها بخلاف لوازمها ، وهكذا هي متقدّمة على لوازم الوجود بمرتبتين ؛ لتوسّط الوجود بينها وبين لوازم الوجود ، كما هو المعلوم .
المقدّمة الثانية : في أنّ الانتقال من شيء إلى شيء آخر يحتاج إلى العلّة والدليل ، فلا يمكن الانتقال إلى ماهيّة الإنسان من الحجر ، نعم يصحّ الانتقال من ماهية الأربعة إلى لازمها - أي الزوجية - لشدّة الانس والارتباط بينهما ، وأمّا الانتقال من العلّة إلى المعلول أو بالعكس في برهان الإنّ واللمّ فهو مربوط بالوجود ، فإنّا نستكشف وجود المعلول من وجود العلّة أو بالعكس ؛ إذ المشكوك هو الوجود لا الماهيّة ، فالانتقال إلى الماهية يحتاج إلى الدليل . ولا يخفى أنّ التبادر مربوط بعالم الماهيّة ، فإنّ ألفاظ العبادات كأسماء الأجناس وضعت للماهيات ، فلا دخل لها في عالم الوجود ، فنستكشف بواسطة التبادر - كالمراجعة إلى الكتب اللغوية - أنّ الألفاظ لأيّ ماهية وضعت .
إذا عرفت ذلك فنقول : إنّه لا شكّ في أنّ النهي عن الفحشاء ، والمعراجيّة وأمثالهما من لوازم الوجود الخارجي ، لا من آثار الماهيّة ، فكيف يمكن الانتقال من
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 244
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٢٤٤