تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
المرحلة الثالثة : في الألفاظ المستعملة في هذه الجملة الخبرية ، لا يخفى أنّ أهل الأدب والنحويين يقولون في مقام تركيب هذه الجملة : إنّ كلمة « من » جار ، وكلمة « البصرة » مجرور ، وكلاهما متعلّق بكلمة « سرت » مع أنّهم لا يقولون بهذا المعنى في مقام تركيب الفاعل والمفعول ، وهذا شاهد على التفاتهم إلى أنّ معنى الذي كانت حقيقته صرف الربط لا بدّ في مقام اللفظ أيضا من المتعلّق له ، بخلاف المعاني المستقلّة كالفاعل والمفعول . فالوجدان حاكم بوجود هذه الواقعيّة في المراحل الثلاثة ، كما هي واضحة ، وليست قابلة للإنكار ، والحروف حاكية عنها ، ولكن لها خصوصيّة إن استعملت الحروف وحدها لا تحكي عنها ، بل لا معنى لكلمة « من » وحدها ، وليس لازم ذلك عدم الواقعيّة أصلا ، كما قال به المحقّق النائيني قدّس سرّه ، وهذا قسم من الحروف التي سميت بالحروف الحاكية ، وأكثر الحروف من هذا القبيل . وقسم آخر منها لا يحكي عن واقعيّة ، بل توجد بها معان أخر كالعقود والإيقاعات ، وهو عبارة عن حروف التأكيد ، مثل : كلمة « أنّ » و « ل » الذي هو سبب لتحقّق التأكيد وإيجاده ، لا أنّه حاك عنه ، وحروف القسم مثل : حرف « ب » و « ت » و « و » التي توجد القسم بلحاظ وضع الواضع له ، وحروف النداء مثل : حرف « أي » و « يا » الذي وضع لتحقّق النداء وإيجاده ، وسميت بالحروف الإيجادية . وأمّا كيفيّة الوضع في باب الحروف الحاكية فاعلم أنّ الوجودات الواقعيّة في المعاني الحرفيّة ليست لها الماهية التي تتحقق في الخارج وقد تتحقّق في الذهن ، بل الواضع حين وضع كلمة « من » للواقعيّة الابتدائيّة يلاحظ مفهوم الابتداء النسبي الذي لا يكون لحمل الشائع نسبة ، فإنّه ليست بنسبة واقعيّة ، ويشهد عليه أنّ النسبة الخارجية تحتاج إلى الطرفين ، بخلاف مفهوم النسبة كما هو واضح ، بل هو عنوان يلاحظه الواضع ثمّ يضع اللفظ للمعنونات الخاصّة ، أي واقعيّات الابتداء الخارجي . ولكن استشكل على هذا المعنى صاحب الكفاية قدّس سرّه كما أشرنا إليه سابقا : بأنّ
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 128 | الشيخ فاضل اللنكراني