وثانيا : أنّه لو سلّمناه في الجملات الإنشائيّة ، وأنّ المولى يرى حصّة خاصّة من الصلاة معراج المؤمن - مثلا - فلذا يقول : صلّ في المسجد ، ولا شكّ في أنّ للحصّة الخاصّة واقعيّة وحقيقة التي توجب انطباق الماهيّة المطلقة للصلاة عليها ، وكما أنّ الصلاة لا تتحقّق إلّا بايجادها خارجا ، كذلك الصلاة في المسجد لا تتحقّق إلّا بايجادها في المسجد ، واعلم أنّ الحروف مبيّنة ومشخّصة لهذه الخصوصيّة الواقعيّة ، ولا ربط للتقيّد بعالم المفهوم ومقام الدلالة والإثبات ، مثل أن يقول المولى : « الصلاة في المسجد تكون مطلوبة لي » بصورة الجملة الخبريّة ، وكذا الحروف في الجملات الإنشائيّة حاكية عن حصّة خاصّة .
وثالثا : أنّه ليس للتضييق معنى واحد ، بل هو على أنواع مختلفة ؛ إذ التضييق الابتدائي غير التضييق الانتهائي وهكذا ، ولا نعلم أنّ مراده أيّ نوع منها .
ورابعا : أنّ التضييق فعل المتكلّم ، ومعنى وضع الحروف له وضعها لعمل المتكلّم ، ويرجع هذا إلى ما قال به المحقّق النائيني قدّس سرّه : من أنّ معاني الحروف معان إيجادية ، وهو كما ترى .
أقول : أنّه لا بدّ لنا بعد ملاحظة الأقوال في المسألة من لحاظ أنّ الوضع في باب الحروف واحد أم لا ؟ وأنّ مفاد حرف واحد منها في الجملة الخبرية مغاير لمفاده في الجملة الإنشائيّة أم لا ؟ وقبل الخوض في البحث نلاحظ الجملة المعروفة في الألسنة لحاظا دقّيا ، وهي عبارة عن جملة : « سرت من البصرة إلى الكوفة » ونبحث عنها في مراحل :
الأولى : في بيان واقعيّة التي تحكي هذه الجملة الخبريّة عنها ، لا يخفى أنّ الذاهب إذا ذهب من « البصرة » وبلغ « الكوفة » كانت أربعة واقعيات محقّقة بلا إشكال ، وهي واقعيّة السائر ، والسير ، والبصرة ، والكوفة ، ولكن مع هذا لا يشك الوجدان السليم في تحقّق واقعيّتين الأخريين باسم الابتدائيّة والانتهائية ، بحيث إن
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 126
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص١٢٦